مقالات

عاصف الخالدي يكتب: غاليانو وتحطيم العالم

كتب: عاصف الخالدي

 

ربما يمكن القول إن إدواردو غاليانو كان أحد المقربين من قلب هذا العالم . فقد قضى الكاتب الأروغواني  سنينه التي جاوزت السبعين في قراءة هذا العالم، ولم يكتف أبدا، لم تكفه الرؤى الكثيرة ولا زوايا النظر، ولم يكفه الفهم الجاهز ولا النظرية، لم يلتزم بشيء مفروض أو موجود، بل ذهب ليحطم الأشياء التي لقيها في حياته إلى شظايا، ويعيد تركيبها بما يخدم الفن والأرض والإنسان.

اعتمد غاليانو في أعماله على فكرة محفزة ظلت تصاحبه حتى موته، إذ كان يلتفت إلى الزمن، الذي صار يندفع مسرعاً كلما تطور هذا العالم بشكل أسرع، فرغم تطورات العلم والفن وغيرها إلا أن الجغرافيا التي عاش غاليانو فيها أتاحت له رؤية التناقض الكبير الذي تسببت به ثورة الصناعة والميديا في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبينما العالم يسوق لتقدمه، يتمترس الفقر والقمع في فضاء أمريكا الجنوبية، بفعل سلطوي يعتمد على الإقصاء والنسيان. لذا سرعان ما تكشفت كتابات غاليانو عن أسلوب يعمد إلى محاربة النسيان، الذي عده غاليانو المشارك الدائم في أعمال التهميش والقمع في بلاده وبلاد أخرى، ففي الأعمال التي استلهم فيها من تراث بلاده المحكي ومن قصص الناس والطبيعة المحيطة فأنتج كتاب:  كلمات متجولة. استطاع غاليانو فيه استحضار خزعبلات أمريكا الجنوبية، وحكايا عجائزها، وأساطير الطبيعة، في مواجهة روايات روتينية يومية مدينية وسلطوية، قام غاليانو في هذا الكتاب بتمجيد القصة الأصلية، القصة التي لن تضيع، والقصة التي يجب أن تروى، لأنها الأجدر، العصية على النسيان، والتي في نهايتها لن يتأذى أحد. ليواجه بهذا النمط قصصا أخرى وجدت لتحفز على النسيان، يقول غاليانو في كتابه كلمات متجولة :

(لا ينسج رواة القصص قصصهم أو يغنونها إلا حين تتساقط الثلوج، هكذا تُنجز القصص، وهنود امريكا كلها حريصون جدا على القصص، يقولون: حين تروى القصص، لا تنتبه النباتات إلى نموها، بينما تنسى الطيور أن تطعم صغارها).

هذه إذن كلمات الطبيعة، وما انبثق عنها من بشر وكائنات، هذه القصص التي تتكرر للأبد مؤكدة جمالها وصدقيتها، على قصص أخرى أوجدت لتنسى، قصص السلطة التي أمنت الصناديق ومجلس الحكومة،  لتؤمم الناس وتتاجر بهم، بغض النظر عما يكلفها  هذا من تكريس للفقر والإبادة والتهميش، الذي عاشته أمريكا الجنوبية في تلك الفترة بتأثير من الدول العظمى ومن حكوماتها كتابع. لكن هذا لم يجعل غاليانو يقترب من السياسي، بقدر ما اقترب من الكوني والانساني، ولا يمكن تصنيف أعماله الحرة والعميقة على أنها أعمال ملتزمة بالمفهوم السطحي للسياسة. إنها تنغرس بعمق في قلب الجمال.  يقول غاليانو في مقدمة كتابه ذاكرة النار: نحن بائسون، فهم يدرسوننا التاريخ كي نقبله، لا لكي نصنعه. فقد جردت أمريكا اللاتينية  في الفترة الماضية من ذهبها، فضتها ، ونتراتها، وتم حشوها بالنسيان، طوال سنوات وذاكرتها تنهب، حتى أصابها مرض النسيان.

هذا هو مشروع ادواردو غاليانو، أن يحطم المفروض، والمُدَرّس، والجاهز، ان يجعل عصا الشرطي تنقلب عليه، وأن يجعل الفأس تتوقف لتعتذر من شجرة، وأن يجلس ليستمع لصلوات هندي أحمر من بلاده، يتحدث بلغة غير تلك التي يدرسونها في الكتب، مشروع غاليانو في مواجهة الزمن والتاريخ اللذين  يكرسان ليحفزا على النسيان، جعلته يلجأ لتحطيم القصة السهلة التي نعرفها عن العالم، وإعادة إنتاجها من جديد، هذه مهنة جميلة وشاقة، جعلت منه كاتباً من أهم كتاب القرن.

لغاليانو أعمال عدة، ترجم منها للعربية : أفواه الزمن، ذاكرة النار، سفر التكوين، مرايا، كتاب المعانقات، وكتب أخرى.

يقول غاليانو: ما يأتي يذهب، وما يذهب حتما سيأتي. الموت إذن لم يقلق غاليانو بقدر ما أقلقته الذاكرة. توفي ادواردو غاليانو في الثالث عشر من إبريل لهذا العام. لكنه لم يزل يتجول في شوارع مونتيفيدو بشكل أو بآخر، متفرجاً على هذه الدنيا، وعلى كتبه المعروضة في زاوية زقاق ما، لذا يجدر القول بأنني أكتب عنه وهو  لم يزل على قيد الحياة.

 

روائي أردني

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى