قصةمشاركات أدبية

مرثية للأشياء الصغيرة

قصة: إيناس التركي

 

 

تقف في المطبخ لتعد حساء ساخنا تسبح فيه الأحرف الصغيرة وقد اختلط  بعضها ببعض. تطالع الأحرف المتداخلة وهي تقلبها بملعقة كبيرة، تحاول أن تشكل من ذلك الخليط كلماتا مفيدة بدلا من اللامعنى الذي يحاصرها. عادة ما كانت تجد صعوبة في اخراج ما بداخلها من معاني لتتشكل كلماتا وجملا تعبر عن دواخلها، لكنها في تلك اللحظة كانت خاوية من أي فكرة أو معنى. ترفع الملعقة لفمها بما تحمله من مزيجها الحار من الأحرف. لم تنفخ في الملعقة أولا بل تناولتها مباشرة من إناء الطهي بكامل حرارتها. أغمضت عينيها وابتلعت دفعة واحدة. احترق طرف لسانها ورغم ذلك بقي احساس الخواء البارد بداخلها وقد فشلت الأحرف في نقل دفئها إليها. حتى الكلمات صارت باردة لا جدوى منها ولا أمل يرتجى. سلمت بأن محاولات خلق الكلمات قد باءت بالفشل. صارت الأحرف جثثا باردة ترقد بين أوراقها القديمة، وفشلت محاولات تسخينها في بعثها للحياة من جديد.

تحيط جسدها بذراعيها وهي تتقافز من قدم لأخرى في محاولات فاشلة للتدفئة رغم ما ترتديه من طبقات ملابس شارفت حد الكوميديا. تفتح دولاب ملابسها بحثا عن شيء آخر يمكنها أن ترتديه. تتوقف عن البحث فجأة وتفتح كيسا من البلاستيك الملون يرقد في قاع الدولاب يحتضن عدة بكرات من الصوف مختلف الألوان. تلتقط  بكرة حمراء اللون وزوجا من الإبر وتشرع في الغزل. تراودها فجأة فكرة تلقي على أثرها بالإبر بما تحمله من صوف وتبحث عن بكرات أخرى تمسكها على عجل وتتوجه للمطبخ مرة أخرى. تلقي على الأحرف الغارقة في قاع إنائها نظرة سريعة امتزج فيها شعور تراوح ما بين احتقار وشفقة. تلتقط الزعافة من خلف الباب وبحركة سريعة كالمقصلة تطير رأسها وتقبض بقوة على الذراع الطويل من البلاستيك الأزرق الناعم. الأوقات اليائسة تتطلب اتخاذ تدابير يائسة! تجلس القرفصاء أرضا وقد شرعت في الغزل من جديد بمعاونة إبرة كروشيه ويد الزعافة الطويلة. تتذكر صور ممثلة تم تداولها بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تجلس القرفصاء في ما أطلق عليه “جلسة الموكوسة” فتضحك بصوت مرتفع وهي تجلس جلسة المجنونة. تدندن وهي مستمرة في الغزل “آدي قعدة المجنونة يابا يابا عالمجنونة!” ربما تساعد اليد الضخمة للزعافة في تضخيم الدفء المنبعث من الوشاح الذي تغزله بهمة. أقنعت نفسها بذلك المنطق العجيب وهي تحاول إنجاز عملها بأقصى ما تستطيع من سرعة.

تنهي الوشاح المتعدد الألوان وتحيط  به رقبتها عدة مرات. تعقد طرفيه بإحكام وتطالع هيئتها في المرآة. ما زالت تشعر بالبرد. تحتضن نفسها من جديد. تفكر أنها لا يمكنها الاستسلام للصقيع الآن. لابد من مواصلة السعي.  تعاود قطع الرحلة إلى المطبخ وتعبث بمحتويات أدراجه. تخرج أحشائها وتلقي بها دونما اكتراث حتى تجد ما تبحث عنه. تشرع في تقطيع الأجزاء وإعادة تشكيلها ولصقها مرة أخرى. يتمخض مشروعها الصغير عن علبة على شكل بيت مصغر يحتضن قمحا لتأكل الطير منه. اختارت له ألوانا دافئة من البرتقالي والأخضر والفوشيا وزينته بأغصان خضراء صغيرة ملتفة يتناثر بينها براعم حمراء لم يتفتح وهجها بعد. قررت المضي قدما وقطع طريقها لنهايته. ستعيد ترتيب البلكونة الصغيرة بأكملها. تشتري إطار سيارة قديم وعلبة من اللاكيه الأحمر. تقوم بغسل الإطار ودعكه جيدا بفرشاة قاسية ثم تغطي سواده بالأحمر الساخن. سوف ينمو من بين أحضان الجثة الكاوتشوك التي أعيد بعثها نباتات خضراء وزهور. الشيش القديم المهمل الذي تم استبداله بنافذة من الألومنيوم بها طبقة مزدوجة من الزجاج لحفظ الدفء بالداخل والضجيج بالخارج لن يذهب لمقبرة مجهولة وقد انتهى عمره. ستعيد بعثه هو الآخر من جديد. تخطط لنفخ الروح فيه وقد أعيد طلائه بلون زاهي بعد إضافة رف صغير وتعليقه ليستقر عليه بيت العصافير وتعلق على ريشاته أصص النباتات الصغيرة الملونة. تلمس الطلاء الأحمر بطرف سبابتها بحذر لتتأكد من جفافه. يترك على أصبعها أثرا لزجا أحمر اللون كدم متخثر. تفرك النزيف بين أصابعها. تطرق رأسها في صمت. تدرك أن محاولات إعادة البعث لا تتمخض كلها عن ميلاد جديد. لم تجد ضالتها من الدفء المنشود، لكن في سعيها لبعثه كتبت مرثية لكل للأشياء الصغيرة والمعاني المفقودة بداخلها.

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى