مقالات

مصطفى سيف يكتب: رحلتي من الفشر للنشر

كتب: مصطفى سيف

 

 

من الجميل بل من الرائع أن نكتب ..أن نفرغ تلك الشحنات التي تعوقنا عن مواصلة حياتنا الطبيعية فنخرج ما بداخلنا على هيئة حروف وكلمات ونغرق الأوراق بدمائنا فنرتقي ..

نعم الرقي هو ما نبتغيه.

ولقد كفلت الشبكة العنكبوتية بمواقع التواصل فيها والمدونات الفرصة لتفريغ تلك الشحنات .. كل ذلك جيد  بل ومرحب به.

لكن تبقى قُدسية الكتب الورقية وتبقى المكتبات المحراب الذي يتعبد فيه المثقفون، ويصلون فيها صلاة النور  فتغدق المعرفة أرواحهم …. ويرتقون.

كان الناشرون هم الأمناء على ذلك المحراب وكانوا يرعون طهارته ويحفظونه من الدنس.

وكانت القاعدة : ”  من الجميل أن تكتب .. لكن ليس كل ما يكتب يصلح للنشر ”

نعم  من الجميل أن تسيل خواطرك شلالا من الحبر تصطف فيه الحروف فتشعر كأنك أخف وزنا حتى تكاد ان تطير .. طيرانك لا يعني أنك كتبت فكرة خلاقة أو أنك  عبقري مبدع .. كل ما هنالك أنك ازلت أثقالا من صدرك كانت تمنعك التنفس .. هذا يخصك أنت فقط .. هذا يعبر عنك فقط

أما الإبداع فهو الفكرة الخلاقة التي ولدت لتبقى .. هي الخلود إن جاز لك أن تعبر عن الخلود بكلمتين فقل ” الخلود فكرة خلاقة” ..

الإبداع هو الحجر الذي يلقى في بركة المشاعر الراكدة بداخل القارىء فتزلزله وتخرج جواهر روحه ..

ليست كل حكاية  رواية تصلح للنشر

فكما يقول الاستاذ اشرف الخمايسي ” يجب على الروائي أن يكون فيلسوفا ”  تلكم هي الخلاصة .. الرواية فلسفة الكاتب .. وحين تخلو منها تحولت لقصة تنتهي متعتها بكلمة ” تمت ”

الفلسفة هو من يمنح الخلود / الفكرة الخلاقة للرواية

هذا ما كان يعيه الناشر الذي يحافظ على قدسية المحراب من الدنس ….

منذ بضعة أعوام قررت دار الشروق بفكرة خلاقة أخرى البحث عن جمهور مختلف فبحثت في الشبكة العنكبوتية عن مادة مختلفة وجمهور آخر إلى أن وجدت مدونة تدعى ” عايزة أتجوز ” فقامت بنشر المدونة في كتاب قبل ان يتحول إلى مسلسل ذائع الصيت وهنا كانت نقلة جديدة في عالم النشر

الكتاب كان جيدًا ولاقى نجاحًا منقطع النظير والفكرة ذاتها كانت رائدة وفتحت المجال أمام العديد من المدونين والكتاب الذين كان ينشرون كتاباتهم من خلال صفحات التواصل الاجتماعي  هنا علموا أن هناك دارًا بحجم الشروق تنظر لكتاباتهم وتمنح البعض منهم فرصة

لكن هناك كانت عيون أخرى تنظر لا تبالي ولا تنتقي  .. ومن هنا ظهرت دور نشر شابة لتتسلم الراية وتحمي حمى المحراب بعضها كان أمينا على قدسيته لكن الأغلبية كانوا وبالا عليه .. هذه الدور على دراية أكبر بأمور الانترنت ومواقع التواصل فتستخدمه تارة لاصطياد الكتاب وتارة في الدعاية لمشروعها فتتحلى برفع شعارات ملهمة لتنجذب الفراشات إلى النار.

وحيت يعرض أحدهم كتاباته عليهم التي أقل ما يقال عنها أنها سطحية بلا عمق وضعيفة اللغة  تجد من يهتف ” ما أروعك .. ما أبدعك ”  فيرد الكاتب مندهشا ” أحقا أنا مبدع ” .

فيرد الناشر ” بالتأكيد أنت مبدع .. لكن وضع النشر صار صعبا ولن يرضيك أن أتحمل الخسارة وأغامر مع كاتب ناشىء غير معروف إن أردت أن تلمس حروفك بين دفتي كتاب فعليك دفع خمسة آلاف من الجنيهات وأعدك أني ساقوم بتوزيعه على كل مكتبات الأرض ” .

وتدفع … وبعدها بشهور تتسلم نسختك الورقية فتملأ الشوارع رقصا وتحدث الحمائم التي تضرب بأجنحتها الهواء فوق أسطح البيوت وتغرد مع العصافير طيلة اليوم و  ……… وتستيقظ في اليوم التالي لتبحث عن كتابك في كل مكتبات الأرض وبالكاد تستطيع جمع ثلاث نسخ منها كلها لتشهد تحطم حلمك .. يصيبك الياس قبل أن تعيد الكرة مرة أخرى بكتاب آخر ودار أخرى وأموال أخرى تدفعها وينتهي كل ذلك بحلم آخر يتحطم .. فتعيدها وتعيدها ولا تعرف إلى متى يجب أن تفعل ذلك لتفهم أن الطريقة خاطئة .. وتكتشف كل مرة عند الحساب أن الذي قال لك ما أروعك لم يقرأ لك ابدا ولن يتوانى عن نعتك بالفاشل حين تتهمه بأنه لم يوزع كتابك

ويصل بنا الحديث إلى مشروع تأسس بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير على يد أحد الناشرين الذي نظر بعين الرأفة لسوء الاحوال الاقتصادية في البلاد فعرض مشروعه الذي ينص على ان يعرض الكتاب الشباب كتاباتهم لينتقي منها من يستحق النشر ما دام الكاتب سيتحمل نصف التكلفة التي كانت تقدر ب 2500 جنيها وهو يعتبر مبلغ كبير على كتاب من 20 الف كلمة في عام  كل2011 كل ذلك لم يكن مهما في سبيل الانتشار ما دمت في اول الطريق .. لكن ذلك المشروع لاقى صدى واسع وهناك اكثر من مائة عنوان قدمه ذلك المشروع

لكتاب بدءوا معهم ثم صاروا نجوما يتألقون في الوسط الأدبي

أسماء مثل محمد صلاح راجح ، ابراهيم المحلاوي ، محمد الناغي ، محمد صلاح زكريا ، شيرين سامي ، محمد فاروق الشاذلي ، أمل زيادة ، ياسين أحمد سعيد .. وغيرهم  العديد والعديد الذين ذيع صيتهم بعدما رحلوا عن تلك الدار التي لم تهتم بالتوزيع كما يجب .. فلنتخيل لو أن تلك الدار قررت المغامرة  وراهنت على تلك الاسماء واهتمت بالتوزيع وبقوا فيها ….

للاسف  رحلوا عنها

ولكن الخسارة لم تطال الدار وحدها بل القارىء أيضا فرواية قيمة مثل آخر نساء الفردوس لاحمد الصايغ لم تأخذ حقها من خلال القراءة والانتشار

ومجموعة  مثل واسمعي يا جارة لأحمد عماد عرفة كانت تستحق الافضل بالتأكيد

غير حكايات النورس  لهدير عرفة ودوامات العيش الحاف لكارولين نبيل .. وديستوبيا لعزة بندق وغيرها العديد من العناوين التي كانت تستحق توزيعا يليق بجمالها الابداعي

وحين تناقشنا مع الناشر عن قلة التوزيع وعدم جدواه أخبرنا أن الدعاية منبعها الكاتب وأن الكتاب الكبار هم من يروجون لكتبهم فلماذا تتكبرون على ذلك الفعل ؟

نعم هذا أوصلنا للسؤال هل على الكاتب أن يكتب فقط ؟ أم أنه مكلف أن يروج لسلعته رغم أن التوزيع مهمة الدار ؟ إجابة هذا السؤال يستغرق وقتا طويلا  فلنؤجله لحديث آخر

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى