مشاركات أدبية

مها حسن تكتب: رائحة الهواء في صباح كالظهيرة

كتبت: مها حسن – باريس

 

أستيقظ على هذا الهواء.. يتخلل ملابسي في المطبخ وأنا أعدّ قهوتي.. قادماً من رحلات في أمكنة كثيرة، أجهلها لكنني أشعر بها.

للهواء سيكولوجيته.

للهواء رائحته.

للهواء ذاكرته.

يعتقد هيجل أننا لا نستطيع أن نسبح في الماء مرتين، لكنني أعتقد أننا نسبح في الهواء أكثر من مرة.

هذا الهواء الذي قطع رحلته حتى وصل إليّ.

يحمل لي رائحة حلب في الصباح.

أشعر وكأنه يحملني، كما يحمل الماء جسدي حين أنزل فيه… يحملني الهواء، يهزّني، يتسرب إلى جسدي عبر مسامات مفتوحة خصيصا لتلقّفه… يدخل الهواء إلى روحي.. يخضّني، ويذكّرني.

للهواء ذاكرة!

تمتزج ذاكرة الهواء بذاكرتي مع الهواء… فنفتح كلانا صفحة جديدة مع النهار.

نهار مشمس حار.. مع هواء يكسر السخونة، ويدلق الذاكرة.

حلب تأتيني محمّلة مع الهواء… تسقط في حضني. تتدحرج الصور على أصابعي وتنزلق على سطح الحاسوب، مشكّلة نصا من هواء.

لن أتمكن من تدوين نصّي بكامله، إذ للهواء سحره، الذي يتطلب مني إبقاء الكثير منه في داخلي، أتنفّسه، وأُطلقه في نصوص طويلة.

سيتسرب الهواء في كتابتي، ليحدّثني عن الرائحة.

رائحة العالم.

رائحة باريس اليوم تعبق بحلب.

رائحة المترو المزدحم، الساخن، تذمّر الركاب، هو رائحة “سرافيس” حلب، وضجر الركاب.

تقول لي إيمان مرسال : عالقهوة اللي عالناصية! وأنا أرتجف مسحورة بلفظة( الناصية). أنا التي أتحدث المصرية كأنني مولودة في مصر، لم أستعمل يوماً لفظة: الناصية.

تذهب روحي إلى هواء الناصية.. فأجدني داخل الدراما المصرية من جديد، فينفجر ( الغيط) في مخيلتي، وتلفحني رائحة كلمة الغيط.

دراما (الغيط) في رمضان الحار، حيث الرطوبة في الغيط، أكاد أشم عذوبة الرائحة من الشاشة.

للكلمات رائحة!

رائحة تحرّك الصور…

كلمات تثير الرائحة، فتندلق الصور.

في مثل هذا الحر، قبل سنوات بعيدة، في بيت عمتي فريدة في الضيعة… حر هائل، أتبع عمتي صوب الحاكورة، رطوبة وفول أخضر وفيء، وهواء يلفحني ليشكل ذاكرتي القادمة.

الناصية ـ الغيط ـ الحاكورة… أين أذهب بكل هذا الجمال! إنه الهواء الذي جاء بالكلمات، وجاء بالعالم إليّ، وجاء بي إلى العالم.

هذا نص مبتور… أعجز عن وصفه، عن إتمامه، أنا مسحورة بهواء الصيف… لا أشرب السوائل ولا أتقّي الحر… منتظرة ضربة شمس تعيد لي لذة الهذيان… هذيان اللغة، وهذيان تفسير ذرات الهواء، وإعادة تفكيك مركبات ذاكرته… كم من البلاد قطع هذا الهواء ليصلني؟ كم ناصية عبر، وكم غيط، وكم حاكورة..

هو نص مبتور… عليّ التوقف، فقد انتهيت من القهوة، والعرق يتسرب من ملابسي… مساماتي مفتوحة لاستقبال ذاكرة الهواء… هناك الكثير من الكتابة تندلق من الهواء وتلفح شاشة حاسوبي، لكنني أشرب قهوتي الآن.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى