مقالات

نضال ممدوح تكتب: سجاد عجمي .. في مديح المدن المتروكة المهجورة

كتبت : نضال ممدوح

 

 

بعدما يفرغ قارئ رواية ” سجاد عجمي ” للكاتبة السورية ” شهلا العجيلي ” منها سيكتشف  أنّ الرواية التي تتخّذ من القرن الثالث الهجري زمناً لأحداثها ليست إلاّ مرآة للواقع الذي تغلي فيه الأحداث وتشتدّ فيه حدّة الخلافات والفتن الطائفية والحزبية والمذهبية ٬ تقترب العجيلي من التاريخي لتكتب قصة مدينة ” الرقة” السورية الضاربة في التاريخ إلي عصر الحكم العباسي الذي اشتدّت فيه الفتنة بين الناس ٬ وقرب مدينة ” الرقة” دارت رحي  أهمّ معركة فاصلة في تحديد شكل الدولة الإسلامية، حين تقابل جيشا عليّ ومعاوية في صفّين ٬ ومن خلال سيرة تاريخ البشر العاديين ترسم ” العجيلي”شخصيات كثيرة منها المزارعون والفلاحون والتجّار، وفي المقابل ترسم أيضاً عالماً نسائياً تسكنه نماذج أنثوية مختلفة ٬  حكايات نساء يواجهن الحرب بالفن والعمل والثقافة دون اللجوء إلى التنظيرات، ومن خلال السرد الأنثوي تحكي لنا الراوية حكاية أربعة نساء هن “لبانة” التي تزوجت من البغدادي ليهجرها إلى أعجمية في خراسان، تاركا لديها طفلا و تنتظر عودته دون فائدة قبل أن تقرر الرجوع إلى بلدتها دير زكا وتقع مرة أخرى في غرام سليمان بن زياد السلمي، في حين يتعلق بها آخر هو عمر من أبناء الرقة، تاركا قريبته وابنة عمه خود،

وأما “ريا” فعشقت (حسن السعدي)وتزوجا لكن العريس فقد عقله في الليلة الأولى وجنّ، وانتهت علاقتهما بالطلاق، للتتزوج من آخر فتنجب منه أربعة أطفال، وتنتظر مولودًا أخر جديدًا، ومع يظل “سعد”  يتحين الفرص للتحدث إليها، وتعتقد أن قلبها يتفتح للحب للمرة الأولى، ولكنها تتمنّع٬ وينتهي الأمر بها لتقاد بقوة الشرطة إلى مقر سعد في حادث يعد شبيها بالفضيحة التي تصبح موضع حديث أهل الرقة، وما جاورها من بلدات،”خود” تقع هي الأخرى في حب حارثة، بعد يأسها من ابن عمها عمر، الذي هجرها من

نضال ممدوح
نضال ممدوح

أجل  لبانة، التي لا تهتم به، ” ريحانة” الجارية في بيت آل إياد السلمي، ولا تعي أن لها أحدا غير هؤلاء الذين تجد نفسها في بيتهم، تعشق حامدا الصياد، وتتمنى أن يتزوّجا وإن يفارقا (الرقة) لمكان لا يرقبهما فيه عذولٌ، أو رقيب، “ديجور”  الجارية الفارسية والتي أطلقوا عليها اسم “جيهان” تعشق سيدها سليمان، مما يدفعها لاختلاس الرسالة التي بعثت بها لبانة لسليمان محددة الموعد الغرامي للقاء به خارج البلدة٬ وتفسد العلاقة بين الحبيبين ليخلو لها الجو بعد القطيعة التامة والجفاء الشديد بين الاثنين؟ تتقاطع حكايات  العشق النسائية في تلاحم وإفتراق أشبه من يكون  بتقاطع خيوط السجاد حين تنسج في تواصل عضوي بين عقدة وأخري .

إختارت ” العجيلي ” ان تبدأ سردها عن مصحف فاطمة، وما له من رمزية فهو لا يمثل مصحف بالمعني المتعارف عليه، إنما هو دستور يتصارع عليه كل من السنه والشيعة من له الحق في تملكه، ومن الأحق به مما زرع الأحقاد بالقلوب، وأثار نوع من الكراهية والحقد التي تحولت مع الأيام إلى حروب، فتناسوا مع الوقت سبب الخلاف وظل الثأر قائما بين كل منهم.

برعت العجيلي  في عرض تاريخ مدينة الرقة وقضايا تتصل بالحكم والعلاقة بين الشيعة والسنة والسياسة والدين،  المرأة ودورها الواضح  الفاعل في المجتمع ٬ نساء عاشقات مبدعات، نحيا معهن آمالهن وآلامهن٬

و أن كانت في نهاية الأمر تسرد التاريخ بوصفه حاضرا جرى إنجازه في الماضي وقد استعارت حكاية مصحف فاطمة والفتنة واستنجاد بني الأزرق بالروم في إشارة رمزية لتخلي الكثيرين من أهالي الرق خاصة وسورية بصفة عامة عن مدينتهم ، ليستقر بهم المقام في المنافي هنا وهناك .

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى