مقالات

أحمد سعيد يكتب: السراديب.. تعرف على بدو سيناء.

“البدو خونة.. تعاونوا مع الاسرائليين ضد المصريين”

“اشتريت قطعة أرض من الحكومة.. ولكن البدو ضايقونى وقالوا لى إن تعاقدى مع الحكومة لا يلزمهم لأنى لم اشتر قطعة الأرض منهم.. لأنها ملكهم وملك آبائهم منذ قديم الزمان”

جمل تسمعها كثيرا, تثير بداخلك البغض ناحية هؤلاء البدو الذين لا يعرفون لمفهوم الوطنية تعريفا, ولا يقبلون العقود الحديثة, مما جعلهم تحت دائرة اللعن المتواصل عند المواطن المصرى البسيط, فى كل كارثة أو مشكلة تحدث فى سيناء.

يقوم الأديب سامى سعد بدحض هذه الافتراءات, وكشف اللثام عن عادات البدو واعرافهم وطريقتهم فى الاحتكام فى المنازعات التى تنشب بينهم, وذلك فى روايته “السراديب” الصادرة عن دار ميريت للنشر هذا العام, ليعرض لنا مجموعة حكايات ممتعة لبدو سيناء.

تبدأ أحداث الرواية قبل عشرينات القرن المنصرم, وتستمر حتى دخول الاسرائليين أرض سيناء سنة 56, والأذى الذى لاقوه على أيديهم, ثم طرد الاسرائليين ودخولهم تحت دائرة الشبهات عند الحكومة المصرية دون دليل واضح, ثم عودة الاسرائليين مرة اخرى فى 67, ومحاولة اخضاع البدو لسلطاتهم, ورفض البدو التعاون معهم.

يستعرض الكاتب البطولات التى قام بها بعض البدو لمساعدة القوات المصرية فى الانسحاب سنة 67, دون شعارات طنانة, فقط كان يكفى البدوى أنه يساعد مصريا ضد اليهود. إلا أن بعد عودة الأرض للسلطة المصرية, قابلت الحكومة مساعدات البدو بالانكار والجحود, فأصبحت الشتائم هى لغة التخاطب مع زعماء القبائل وكبرائها, وكان التعدى والاذلال هو التصرف الناجع من أجل اخضاع البدو لتعليمات الدولة.

ولا تنتهى التجاوزات عند ذلك الحد, بل تقوم الحكومة بالاستيلاء على الأرض (السراديب) التى تخص البدو, الأرض التى توارثوها عن أجدادهم, ويعيشون على زراعتها والاستفادة من خيراتها, لأن أحد الموظفين المهمين فى الدولة تفتق ذهنه أن هذه الأرض تحديدا صالحة لمشروع ميناء تطمع الحكومة فى انجازه, فيتم التغاضى عن حقوق البدو فى هذه الأرض ويتم تخصيصها كجزء من مشروع الميناء.

ثم يصور الأديب سامى سعد ببراعة كيف يجتمع البدو ليفكروا خارج منظومتهم الخاصة, واعرافهم التى عاشوا عليها عمرهم كله, ويبدأوا فى السعى على خطى البيروقراطية لمنع الخطر الذى يزحف على أراضيهم كل يوم, بدون أن يجدوا من يتشجع

أحمد سعيد
أحمد سعيد

لمساعدتهم فى قضيتهم الوجودية.

تصور هذه الرواية الواقع المؤلم لعدم التلاقى, بين ممثلى جهة الحكومة المصرية وأفراد البدو فى سيناء, وتوضح عدم وجود لغة حوار مشتركة (حرفيا), حتى أن كل جهة لا تفهم مصطلحات الجهة الأخرى, وما ترمى إليه عبارتهم, فيكون تصرف القائد العسكرى هو توجيه تهم غريبة مثل (شخص غامض ومريب), واحتجاز البدو فى المعتقل, وتعرضهم للتعذيب للاعتراف بأشياء لا يفهمون طبيعتها من الأساس.

يستمر عدم التفاهم على امتداد الرواية بصور متعددة, دون أن تقدم الحكومة المصرية خطوات جادة لتفهم لغة البدو وأوضاعهم على الأرض, وتتعالى الحكومة على البدو فتطالبهم بتنفيذ تعليماتها, لتتسق الأوضاع مع مفهوم الحكومة لمواطنة تسعى لفرضها عليهم, بينما البدو على الناحية الأخرى لا يجدون من يشرح لهم هذه المصطلحات الجديدة والاحكام الغريبة على اعرافهم, ولا يعرفون الفائدة التى ستعود عليهم نظير الاستجابة لها, أنما يسلمون أمرهم إلى الله كعهدهم دائما, ويدخلون بجهلهم تحت رعاية دولة تحتقرهم, وتنظر لهم كمواطنين من الدرجة الثانية.

فى هذه الرواية, يقدم الأديب سامى سعد شخصية البدوى بطريقة مختلفة, فيتماهى القارىء مع الشخوص ومساعيها وأولوياتها. يعبر المؤلف بلغة رشيقة عذبة ذلك الخط الفاصل بين اللغة البدوية واللغة العربية الفصحى, ويجيد توصيل الفروق والاختلافات بعبارات جزلة ووصف شيق.

انتهى سامى سعد من هذه الرواية سنة 2008, ولسبب مجهول ظلت حبيسة الأدراج حتى صدرت هذا العام, وعلى كل حال يبدو أن القدر كان قد تدخل لتخرج الرواية فى توقيت مناسب, أشتد فيه اضطهاد بدو سيناء, ونعتهم بأحط الألفاظ, والتسرع بتوجيه تهم مساعدة الجماعات الإسلامية المتطرفة, وأتهام زعماء القبائل بعدم التعاون مع جهات الشرطة والجيش, وانتهاء بالتهجير القسرى.

هذه الرواية تقدم فرصة لتقريب الأفكار والمشاعر, وتلقى الضوء على مواطنين مصريين معزولين داخل سيناء, يعانون من التهميش والازدراء, ويسمون بدو سيناء.

قاص مصري

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى