مقالات

عمرو العادلي يكتب: الحبكة الروائية المزعومة

زمن الحبكة الروائية بالمعنى التقليدي ولّى بلا رجعة، فرؤية الإنسان للعالم قد اختلفت اختلافًا جذريًا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وأصبح العالم جواني وليس خارجيًا كما كان الظن العام، ولكن برغم ذلك فهناك من يكتب الرواية حتى اليوم وعينه على الدراما، فتحويل العمل لفيلم أو لمسلسل يعني أن يجني الروائي بعض المكاسب المادية وبعض الشهرة، وهذا في حد ذاته لا يضر، أي لا مشكلة في الغاية، ولكن تبقى المشكلة في الطريقة التي تحققها.

فهناك روائيين أفذاذ استطاعوا أن يربطوا خيوط الحبكة بالنسيج الروائي الجذاب، ولكنهم قِلَّة، وليس هذا النوع الممتاز هو محور حديثنا، ولكن موضوعنا يتمحور حول هؤلاء الذين يهتمون بالحبكة على حساب فن الرواية. وهو الأغلب الأعم مما تنتجه المطابع يوميًا ومختوم بتعريف “رواية”.

الروايات التي تحفل بشتى أنواع التشويق والإثارة تكون في الغالب مثيرة للشفقة، فلا لغة تحمل الأحداث، ولا حوار بغير افتعال، علاقات الشخصيات غالبًا غير طبيعية، لا تشعر برائحة الفن بين ثناياها، ولكنها تخرج مُلفقة، مرقطة وكأنها بقايا سجادة أُلصِقت ببقايا ستارة فخرجت كائنًا مشوهًا لا اسم له، حتى يشعر القارئ لتوه أن كاتب هذا العمل محروم لا يعرف الفرق بين وادي عبقر وعنب اليمن.

ولكن هذه اللغة المدسوسة لا تخدع صاحب الذائقة، فالطبخة لا يُحسِّنها مصمم أغلفة مشهور ولا كاتب كبير يُوْقِّع كلمة ظهر الغلاف، ولا افتتاحية بكلمات لفائزين بنوبل أو فلاسفة وعلماء، كل هذا خارج الموضوع، ويبقى الموضوع هو الإبداع، والإبداع وحده. فسيد قطب كتب عن نجيب محفوظ وعادل كامل، وكتب أيضًا عن آخرين، نعرف بعضهم ولا نعرف البعض الآخر، ومصمم أغلفة أعمال يوسف إدريس لم يكن مشهورًا، ولكن أعمال يوسف إدريس طُبِع منها مئات الطبعات دون التفات لمصمم الأغلفة وللإهداء أو المفتتح، الإبداع يتحدث عن نفسه ولا يحتاج لطبل صاخب.

إن الحبكة بمفهومها التقليدي غير موجودة بشكل صارخ إلا في الدراما، حتى السينما الحقيقية تخلصت منها، وهناك أطنان من مخلفات أفلام عربية وهندية وأمريكية لم تكن تهتم بعنصر قدر اهتمامها بالحبكة، ولا تستحق اليوم إلا محاسن الموتى، فالإنسان أصبح شيئًا ضئيلًا في مرامي المجرات البعيدة، والعالم القديم بات بقعة باهتة في الكون وليس هو كُل الكون، وكذلك الحبكة بالمفهوم القديم أصبحت بالية وعتيقة، بداية ووسط ونهاية، عُقدة ثم كشف وحل، هذه حيل ربما تنفع في إقامة معالجة درامية جيدة، ولكنها لا تكفي وحدها لإقامة صرح روائي خلاَّب.

روائي مصري

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى