سينمامقالات

سارة البدري تكتب: أقوى من الحب

قد نرى مشهد داخل فيلم يترك أثر لا ينمحي بمرور السنين.. وقد نرى مشهد، يطرق سؤال حائر يستعصي على الإجابة مهما مرت السنين……

أقوى من الحب

تتميز أفلام قصص الحب الشهيرة بالتركيز الشديد على العاطفة والعلاقة بين البطل والبطلة بطبيعة الحال، وربما يكون فيلم “حبيبي دائما” من أجمل وأقوى أفلام الحب رغم نهايته المأساوية!

لكن هذا الفيلم يحوي بالصدفة ربما معنى ولفتة أراها أقوى من الحب ومن المرض.

فبعيدا عن قصة الحب الجارفة التي اضطر طرفيها للافتراق للسبب الأشهر وهو المادة، تتزوج البطلة “پوسي” من الزوج الغني الناجح الذي يليق بمستوى العائلة الرفيع “سعيد عبد الغني” وتسافر معه نحو فرنسا، هناك ستكتشف أنها لا تتقاطع مع هذا الشخص في شيء واحد حتى، وأن عالمه مختلف تماما عن عالمها. لا يكون للبطلة ردة فعل واضحة، كأي أنثى تحاول أن تنجح في حياتها وتصدق أن الأمور أفضل مما تراه! لكن كل الأعراض كانت تبث السم دون الموت!..

أن تشعر أنها -كزوجة- صفقة من صفقات الزوج حينما يعبر لها بكل بساطة أنه تزوجها لأنه اشتهاها، وأن يسمح هذا الزوج لرجل غريب يلعب البوكر أن يغازلها ويطلب مجالستها لوجهها الحلو دون أدنى غيرة، وأن ترى حفلات أصدقائهم الصاخبة التي يختلط فيها العناق والقبل دون رادع، كل ذلك أودعها في حالة من الذهول والرفض الداخلي دون الفعل.. حتى حدث ما كان تلك القشة التي قصمت ظهر تلك العلاقة، وساعدتها على “تقبل” قرار الزوج -وليس قرارها هي- بالانفصال!

المشهد

أصدقاء الزوج مدعوون لقضاء سهرة في بيتها -أو بيت زوجها- عددهم أكبر كثيرا من المتوقع، هناك من لا تعرفهم أساسا!.. ترتدي بذلة مطرزة سوداء للسهرة بينما الضيوف يرتدون ملابس عادية “مريحة”!. وتفاجأ الزوجة أن الجميع التف يشاهد أحد الأفلام الخارجة!.. فيلم لم نر أبدا لقطة منه لكننا رأينا پوسي وهي تركض نحو حمامها وتتقيأ! رأيناها وقد خرجت منهكة لترى حالات الانهماك بين اثنين، وفهمنا أن هناك حالة من الإثارة التبست البعض. تجد الزوجة نفسها تصرخ وتطرد الجميع، وبينما يخرج البعض بالفعل في فوضى غير منظمة،، نجدها واقفة وحدها في جهة، أمام التلفاز-بعد أن أغلقته- ونجد الزوج يقف في الجهة المقابلة سارة البدريبين صديقته الشاعرة المتحررة وصديقه العاري الصدر بقميص شفاف وقلادة كبيرة تلمع.

الزوج يخبرها ببرود يحسد عليه أنه ليس من حقها طرد أصدقائه من بيته! وبينما هي لاتزال في حالة من الذهول، صدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال، تخبره أن هذا البيت لم يعد بيت، وغرفهُ لم تعد موصدة-لا حرمة له يعني- .

تقاطعها صديقة الزوج الشاعرة المتحررة “ماجدة الخطيب” وتقول أن الزوجة ليست مخطئة، إنما صديقها هو المخطئ -وتوجه له هذا اللوم بشكل خادع- أنه تزوج “واحدة متخلفة”!

تقولها بنظرة إبخاس وبكل قوة واستهزاء! لا ينسى أحد نظرة پوسي الغارقة في الذهول وعينيها المحدقتين من أثر الإهانة التي علقت في حلقها. والتي جعلتها تستوعب موقفها بالضبط! هي هكذا حقا في عيونهم.. هي متخلفة عن العصرء، لا تصلح أن تعيش وسط التقدميين!! في لحظة تحولت، من امرأة عزيزة، تصرخ بقوة لتدافع عن حرمة بيتها ومعتقدها.. في لحظة تحولت لامرأة مكسورة، مهزومة، خرساء، متخلفة! .. في لحظة تحولت المدافعة عن القيمة، لشخص لا يرقى للتعايش مع القيمة!

ويكتمل المشهد الصعب بقرار الزوج النهائي بطردها هي!.. إذ أنه ليس على استعداد للتضحية لا بأصدقائه ولا بأسلوب حياته.

رد الزوج له أثر كبير للغاية في المشهد لأنه ساهم بقوة في تأكيد أنها رخيصة! باعها دون جدال ولا استرضاء حتى!.. المتخلفة الرخيصة!!

ظللت أذكر هذا المشهد في كل مرة يقع أمامي موقف بين طرفين أحدهما يحارب من أجل استبقاء هويته مهما كان الأضعف والأخف كفة أمام طرف باع هويته بكل بساطة ولبس الهوية الأخرى أيا كانت درءا -بشكل غريزي- لوقوفه مكان الزوجة في هذا الفيلم، أي اتقاءا لكونه أمام الجميع: “المتخلف”!

والحقيقة أنها قضية دهرية ستظل بيننا طالما أننا -دول العالم الثالث- منهزمين أمام تقدم العالم الأول وتفوقه علينا!.. ومع وجود العولمة واجتياح الشركات متعددة الجنسيات للعالم، ستكون قضية الهوية قضية شبه يومية! أي أن معظمنا سيرى هذا الموقف كثيرا سواء بين طرفين غيره، أو كان هو أحد الأطراف.

سأظل أتذكر هذا المشهد، ونظرة پوسي بنت الأكابر الذاهلة، المهانة، وأبتسم قائلة: لا عزاء لمن يتمسك بهويته!

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى