مقالات

أدهم العبودي يكتب: «مَهر الصياح» لـ أمير تاج السّر: أجل تعاطفنا مع «الخصيان»

أدهم العبودي.
أدهم العبودي.

في منعطف قدري، وجدت رواية “مهر الصياح” لأمير تاج السرّ بين يديّ، لم أكن قد قرأت له رغم أنّي سمعت به منذ زمن، وفي الثلاث صفحات الأولى أدركت أنّ الرواية فيها مأزق، مأزق محمود بالطبع، وهو هذا المأزق الذي يزجّ بك الكاتب إليه عن عمد، عن دراية غير عادية، وعن خبرة في تفعيل الحيلة داخل النصّ دون تفلسّف، كان المأزق هو مأزق المكان، ومدى ما يرويه الشخوص عن المكان أو ما يرويه المكان عنهم، بقدرة في تأسيس لفكِر جديد وهو نظرية السالب/ المسلوب داخل النصّ، أكملت القراءة حيث تمكّنت منّي تلك الفكرة تحديداً، من الذي سلب الآخر هويته، المكان الذي تسيّد حتّى طبائع قاطنيه؛ سواء مغلوبين أم غالبين، أم الشخص ذاته الذي أسلم للمكان إداره أقداره وصياغة أولوياته ومسلّماته المعيشية، هنا لابد أن نلتفت لفحوى الرسالة الإنسانية البحتة التي أطلق الكاتب لها العنان دون تحيّز، وهي أنّ الأقدار وإن أطاحت بالرغبات والآمال والأماني، فيوماً سوف تنصرف نحونا برحمة وحياد، لا ضير من ملاحقة الحلم، ولا ضير من التشبّع بهوى الأقدار، ففي النهاية قد ينفطر في مسيرة الزمن قدر غير مسبوق، يلهمنا، ويعزّز أحلامنا، فالولد الذي يجري به الحلم لمنحدر محفوف بالمآسي، على مستوى الطبيعة الأخلاقية للإنسان، وعلى مستوى الطبيعة الحيوانية، فيتحوّل -دونما حيلة- إلى نصف؛ بين بين، ولا يدري بمرور الوقت لماذا تحوّل، أو لماذا ترك نفسه! وفي شفافية احترافية يجوب بنا الكاتب تلك الحقبة، لنرصد، ونرى، ونتعلّم بذات الوقت، نستكشف ملابسات الغريزة السلطوية فيها، بدلالاتها العميقة، ونتائجها الحتمية، بإرهاصاتها واستشراف الآني من خلال الماضي، أضف إلى ذلك عبقرية الوصف، وهو آلية لا يمتلكها كثيرون، لا في جيل أمير تاج السرّ، ولا الأجيال السابقة أو اللاحقة، متضامنة مع الإمتاع لحدّ النشوة، وصف الأماكن، البيوت، الحصا، الحجارة، الألم، الفرح، الحزن، الشبق، الانحراف، المأساة ذاتها، تلك المأساة التي لابد أن تخرج بها من بين صفحات الرواية، وهي مأساة المتناقضات المتزامنة، المتناقضات التي تختلج في نفس واحدة، إمّا في هذا المكان، أو ذاك، وكلاهما أشدّ قسوة من الآخر، إمّا رجل، أو نصف، إمّا منتظر، أو ملول، إمّا محب، أو عابث، تصوير متّزن لما يرتع في صدر الأبطال من متناقضات، دون إسهاب، إو إطناب، أو تكرار، نجح الكاتب في جعلنا ننتظر المهلة التي أمهلتها “الرزينة” لـ”جبروتي”، وتعايشنا معهما، سلباً مرّة، وإيجاباً أخرى، وهل يمكن للقدر أن يكون بمثل هذه اللامبالاة! وهل يمكن أن تكون التضحية أكثر صدقاً من المضحّى لأجله؟ تساؤلات مطروحة وإجاباتها وقرت في عقيدة المتلقّي، وكلّ حسب تكوينه الإنساني.

في هذه الرواية تتخالط المآسي، تتوازى مرّة، وتتداخل مرّة، ترتهن مصائر بأخرى، وتحدّدها أخرى، بسرد عفوي، شديد البساطة، عميق حدّ الفلسفة، مشوّق حد اللهاث، الأحداث برمّتها يبني واحدها الآخر، على مهل احترافي، بلا تعجّل ولا سأم، وكأنّنا أمام ملحمة لا علاقة لها بأرض واقعنا، ملحمة في أصلها مختَلقة، رغم أنّها مستمدّة من متن التاريخ، تتناحر فيها العلاقات، ولا يفتر تناحرها، تتكشّف الشخصية الحيوانية داخل كلّ إنسان -على حدة- بلا ضجيج، وفي روية مشوبة بالانفعال، كأنّ الكاتب في أساسه معالج، يهتمّ بالإنسان، في أسمى حالاته، وفي أدنى انفعالاته، بلا تحيّز ولا اتّهام، تقديم مجرّد للإنسان خالصاً مخلّصاً واقفاً أمام مرآة ضميره، وأيّ ضمير في تاريخ لا يؤرّخ الضمائر! كلّ ما يؤرّخه هو الحدث، وكلّ ما يؤرّخه الكاتب في روايته هو الإنسان، وجدلاً نفرض أنّ المأساة متفاقمة، لا حدود لها ولا أفق، تجتاز مراحل الزمن، وتُقلع من تاريخ لتاريخ بعمدية التأثير السلبي على المصائر، إنّما ينبغي أن ننظر للمأساة بعين التجرّد، فالمأساة في حدّ ذاتها مغلوبة على أمرها، وتُساق كسوق نعاج، بعصا التاريخ في الأساس، وولايته على الضمائر والنفوس والجسوم، لتبيت كلّ الخلفيات السابقة مشاحنات دون جدوى، وأعباء بلا طائل، فما سيكون سيكون، وما قدّر لا فكاك منه، مهما ترادفت الأزمان، ومهما تبدّلت المجتمعات، البطل يبقى، بذات الماهية وذات الخصوصية، يبقى إنساناً، له وعليه، يهب ويستنفد، يختلس ويثوب، هو الإنسان لو تعمّقنا في فلسفة الكاتب، حتّى وإن أضحى واحداً من “الخصيان”، الذين دُفعنا عن غير عمد للتعاطف معهم داخل الرواية، أو حاكماً له باع وسلطة، في النهاية نفس الإنسان يترقّى، ونفس الإنسان يتدحدر، بمآسيه كافة، وأفراحه، أتراحه ومباهجه، لولا الأقدار، هي المشار لها ضمناً في فلسفة الكاتب كشريكة أصيلة في عبث التاريخ.

الشخوص جاء وصفهم دليلاً على براعة فطرية، بدءاً من “يوسف كرا” مروراً بـ”الرزينة” و”جبروتي”، انتهاءً بالهامشيين الذين كان لهم دور خلاّق داخل متن الرواية، يحرّكون تارة ولا يتحرّكون، إيحاءً بجمودية مجتمع لا منتهى لعبثه، وكلّ ما كان يتحرّك دوماً ويحيي ويميت ويستهلك أعصابنا هو المكان، المكان الخبيث الوديع في آن، الذي يشكّل مسار الشخوص ومآلهم، وكأنّ بي يرنّ في أذني صوت المنادي وهو ينادي على المظالم واحدة بعد أخرى لتتدرّج في دور عبثي وإن تشابهت الظروف، مجرّد نداء يحيل مصير لمصير بعيد ولا حسبان له، مجرّد حماقة ترحل بقدر وتستبدله بآخر، كلّ ذلك على هامش الإنسان ذاته، الذي أمسى -بجدلية الكاتب لهامش متفرّد ربما -لا نفع له غير تحريك الحدث والوصول به لمبتغى فلسفي.

لم تطل الرواية رغم كِبر عدد صفحاتها، السرد أتى مدهشاً، ذلك الإدهاش الهاديء المتدرّج الصاعد دون هبوط، ففي كلّ حدث قد يأخذك الكاتب لدهشة أعلى، وهكذا، من دهشة لدهشة ومن إبهار لآخر، وفي وجهة نظري الرواية كانت تحتمل كتابة أكثر، حيث جاءت النهاية سريعة، ملغّزة، ودون كشف، وجاء موت “الرزينة” غير مبرّر، وقرار “جبروتي” بالمكوث في نفس المكان عشوائياً، وفي المجمل هذه الرواية واحدة من أبدع ما قرأت وواحدة من أروع الروايات التاريخية التي ستبقى حتماً، والإشادة حقّ أكسبه الكاتب لنفسه بموهبة فارقة في عالم الرواية، وأعطاه له القرّاء طواعية إمتناناً وشكرا.

شكراً لأنّك أمتعتني أمير تاج السر..

وشكراً لرواية “مهر الصياح” التي تستحق أن تكون ضمن أهم عشرة روايات على مدار التاريخ.

 

«المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة موقع كتب وكتاب»

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى