قصةمشاركات أدبية

تجليات صاحب المقام

قصة: محمد عارف

 

“حـــــــــــــــا”

قالها صديقي، فأدارت عجلات الكاوتشوك على الطريق الأسفلتية، المؤدية الى مدينة المولد، تدور دقات الطبول برأسي، خافتة، منتظمة الإيقاع، ويدور حوار طويل بين العم قاسم، الذى يجلس على يمين العربة، وأحد جيرانه، الذي حمل أقفاص الخضار الفارغة على عربته، ليحضر بضاعته من تلك المدينة القريبة، يبدؤه العم قاسم بالمزاح مع طفله، بأن ينزل طاقيتة الصوفية على نصف وجهه، فتغطي خضار عينيه، ويرفعها فيرتفع معها حاجباه، في حركة كوميدية، ترتفع معها ضحكات الطفل ووالد، ويفتح العم قاسم بحرا من الكلام لا شاطيء له.

“حـــــــــــــــا”

قالها مجنون في وسط المولد، لبغله الذي لم يركبه، فصار في ارتفاع الجمل ولجاموسته التي لم يقربها ثور، حكى العم قاسم عن شهادته العليا، أكل أقاربه لميراثه من أبيه، دورانه في الموالد ببغله وجاموسته، حتى أصبح جزء من طقوس بدء الموالد، يقتحم صوت الطبول المنتظمة الإيقاع جسدي، فيرتعش، تقتحم رابطة الخيزران مكانها بقوة، وبحضور العم قاسم ينتهي وجود الآخرين، يحملون ربطاتهم، ويهيمون على وجوههم في شوارع المولد المزدحمة.

مــــــــــــــــداد”

قالها العم قاسم معلنا وصوله، وبداية التجليات، أقف إلى جواره مملوء بالفخر، ومستغرق في التأمل، أدير(الكاسكت) على مؤخرة رأسي، لتحميني من لفحة شمس الغروب، أرتشف رشفات من كوب الشاي، وأنا أتابع هدير البشر المتدفق إلى الميدان، وعيون الفتيات المعلقة بصورة الشيخ المعلقة على الحائط، بوجهه الأسمر، ولحيته البيضاء، وعمامته الخضراء، وعيناه الناظرة إلى الصاري.

مــــــــــــــــداد”

قالها الرجل الذي يسحب فرس الخليفة، فاقتحمت أسراب المجاذيب، والدراويش، وثعابين الطرق الرفاعية، والأسياخ الحديدية، التى تخترق أجساد مجاذيب الطرق الصوفية، بدون نقطة دم واحدة.

مــــــــــــــــداد”

قالها رجل بسيط داخل صندوق السيارة النصف نقل، وهو يردد نقوط المولد، بأسماء تجار المدينة الذين يتبرعون بمعونات لإقامة المولد سنويا، قالها ماسك الصاجات في وسط الصفوف وهو يحرك شعرة الطويل أمام وجهه، ناحية اليمين مرة، وناحية اليسار أخرى، ويطلقها مع زفرة قوية من الصدر، “مــــــــــــــــداد”؛ فيشتعل الميدان بالصيحات، وترتعش أجساد الدراويش من حوله، وتزداد دقات الطبول، ويتوحد الإيقاع في لحن سماوي جميل، يرقص معه سرب الحمام في سماء الميدان.

مــــــــــــــــداد”

قالها العم قاسم، ويده تهوى على وجه أحد لصوص المولد، الذي أراد أن يسرق عود خيزران، فخدرته يد العم قاسم، التى تفوق في ثقلها حقن المخدر في العمليات الجراحية، فجرى وهو يتخبط في المارة، وكأنه مسطول، لايعرف موضع قدميه.

مــــــــــــــــداد”

قالتها السيدات التى يرتدين الطرح السوداء، على رؤوسهن تتدلى الأقراط الذهبية الطويلة، من آذانهن، والألوان الخضراء لعرائس الوشم، تشتبك مع فرسان الوشم على أيدي الرجال، إخوة الطريق، وهم في طريقهم لقراءة الفاتحة، وإشعال الشموع، تبركا بصاحب المقام، “مــــــــــــــــداد”، أطلقها فتى يحمل فوق ظهره كرسي الطريقة الشاذلية الحديدي، ليستعين بها على حمله الثقيل، تشتبك عيناي بالأيدى التي تقرع الطبول لتصل إلى مداها، وتغيب في السماء الواسعة، تمضي دقات الطبول في لحظة واحدة، إلى الخفوت، يتقدم الخليفة الصغير بفرسه شاهقة البياض، المغطاة بالبيارق الخضراء، وتحاوطها بيارق الطرق الصوفية، في أيديهم، ويبدو وكأنه نزل من السماء على فرسه، بجلبابه وشاله الأبيضين، وحمرة وجهه المشربة بالبياض، ويحاوطه الأصدقاء، مشبكي أيديهم في حلقة كبيرة، تحيط بالخليفة، حتى لا تلمسه أعين العامة، فتلوث طهر الموكب.

مــــــــــــــــداد”

لحنها المنشد، وهو يهز رأسه طربا، ويصعد منصته، أمام الصاري، ويبدأ في الإنشاد.

“ياسيدي علي.. يا جد الحسين..

ياست يا طاهرة.. يا أم الحسنين

يهيم المجاذيب، والعامة، والنساء، في طابق الذكر الذي لا آخر له، وهم يطوحون أجسادهم ناحية اليمين مرة، ومعها لفظ الجلالة “اللـــــه”، وناحية اليسار مرة ومعها تعلو “حـــــــــــى”.. يزداد الإنشاد جمالا، ويزداد تدفق البشر إلى الميدان، فيزداد الطابق حرارة.. ووجدا، يضرب الصداع الخفيف مقدمة رأسي، أطلب كوبا آخر من الشاي، أستعين به على فتح عيناي أكثر، ومتابعة السامر، والتجليات.

“ياسيدنا النبي.. شفاعة شفاعة.. لحبابك شفاعة”

مــــــــــــــــداد”

قالها المنشد على منصته العالية، وشاركه ابن العم قاسم، وهو يظهر من أول الميدان، مطوحا جسده مثل الدراويش، وضاربا كفا بكف، معلنا حضوره، واقتراب رحيلنا، يعلو هدير الطابق، تتشبث روحي بصوت الطبول، تصعد معها الى السماء، لا تتبين سوى حالة الوجد الروحانية، التي أخذتنى، من الأرض إلى السماء الواسعة، “حــــــــــــــــــــــــــا”

قالها صديقي، وهويدير عجلات الكاوتشوك، ونحن عائدون إلى القرية، أتذكر روحي، التي نسيتها، منذ عصر اليوم؛ فأهرول عائدا بنظري إلى السماء، باحثا عنها.

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تحمل موسيقي الروح ، متناسقة النغمات وتعزف ببراعة علي اوتار الذكريات ،
    والكلمات المفتاحية تفتح في كل مرة ابوابا من الذكريات ،ويعزف كل مقطع نغمة مختلفه متناسقة مع غيرها
    من المقاطع ،ويسلمك المقطع للمقطع مزودا بالكلمة التي تفتح سر الكلمة وبوبا جديدا فيها كل مرة ،
    لتستمتع بموسيقي الذكريات الأولي .

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى