قصةمشاركات أدبية

كابوس

قصة: محمد راجح

 

بالأمس حلمتُ به، أو أنها الخديعة! ربما أحلم به يوميا، لا أعرف حقا، ديچا فو؟ لا أظن، فهو كبير بحجم الحياة ذاتها، يقين. خاطر كارثي أن يكون هو الحقيقة، وألا يكون واقعي كما حسبته، مجرد ضلالات تتخلل الحقيقة الكبرى. كالعادة أنتزع نفسي من الفراش، غارقا في العرق البارد، فقط ليداهمني الدوار اللعين، رفيق الدرب الجديد، الذي ما عاد مرتبطا فقط بالقيام من النوم، يطرقني كلما غيرت وضعي، قائما، جالسا، مرتعدا، ماشيا.. أو متأملا.

يقول طبيبي المعالج، أنني أعاني من خلل ما في الجهاز العصبي، نقص حاد في فيتامين (ب)، كما أني لدي ضغطا يقارب التراب في الدنو، برغم الكم المفزع الذي أستهلكه من الكافيين والنيكوتين، كابوس!

بعد هذا تسري تشريفته المقدسة في خلاياي، ارتعاشات كفي، تسببها أقدام جنوده الداهسة لعروقي، قبل أن يحل في دماغي، صداع طاحن للصدغين، اللعين يتعامل مع رأسي كمتوتر يمسك بكرة أعصاب مطاطية، كابوس!

أتجاهل انعكاسي في مرآة الحمام، أعرف أني لو فعلت سأقع في تأملات ساذجة، عن ملامحي التي لم أعد أعرفها، أو الشيخوخة التي أصابت روحي؛ فطفحت على هذا الوجه البائس. أهرب إلى دقائق الانتظار أمام القهوة على النار، أتحدى تلك اللحظة السماوية التي سأشرد فيها، لتفور وتملأ عالمي ببقع بنية ملتهبة. لم تعد تشغلني تلك اللمحات التي تصنع متفلسفا، لا فيلسوفا، الدوار يلفني باستدارات مريعة للكون من حولي، كابوس!

يتساقط رماد سيجارتي، ينتشر بشكل مريع، يرسخ في الأرض، وأتطاير أنا، صحراء من رماد السجائر! ألقى على وجهي، وأضحك.. بهستيريا، هل تظن أن كل هذا الرماد، قادرا على ترويع من يحمل رئتين في مثل سواد ما داخل قفصي الصدري! أنهض، تبا له من دوار، ثقلت خطواتي، هاجس مريع بأن يوئدني أحدهم، كما أوئد الرماد في مطفأتي، صديقي الحميم يقف من بعيد، يمد يده لي بأوراق، أرى مكتوبا عليها، “لست لك”، تتسع عيناي في ذعر، إعصار من علامات الترقيم قادما نحوي، يتناثر أمامه الرماد في انهمارات كبركان، أحاول أن أجري إليه لأحذره، هو لا يراه.. يبتسم، إنه مصدره! أفر، لا أستطيع، الإعصار يجتاحني، وسط الرماد، كابوس!

أفتح عيناي، خرائب بلا أفق! أدخنة هي الهواء ذاته، أهرول، يسيطر عليَّ الذعر، أركض، أتعثر، أنتبه إلى حفنة من الأوراق بيدي، أنهض، ألمح اسمي مطبوعًا عليها، لا أبالي، أواصل الركض، أتوقف، لا جدوى، الخرائب هي الـ (هنا) والـ (هناك)، لا مفر، ألمحه، صديقي الآخر، ثالثنا، يعقد كفيه خلف ظهره، يمشي شاردا، ويرتحل عني، أهرع إليه، أمد إليه يدي بأوراقي، أناديه، يلتفت لثوان، لا يبدو أنه يراني، مع أنه، ينظر لي! ترتج الخرائب بهدير ينتزعني من مكاني، أتبعثر، تبا، إنه يفكر! هو مصدر الهدير! عاد إلى شروده.. يكمل ارتحاله عني، كأنه لا يعرفني، الهدير يكوِّن نغمة بدت ككلمة مألوفة، “لست لك”، كابوس!

هاوية الجبل، أرى السحاب تحت قدمي، لا أتبين ما أمشي إليه، كيف وأنا مصاب برهاب المرتفعات! ببطء.. ببطء، يتبين لي فراشي، جداري العزيز الذي حُفرت فيه مكتبتي، قائما وحده جوار الفراش، الجدار لا أساس له، يستقيم على الهواء! أستند بكفي  إلى الفراش، أستلقي، أتنهد، لا أريد أن أنظر، لا أريد أن أرى أن الفراش يطفو على السحب، معلقا في الهواء! أمد يدي إلى كتبي، أنتفض، أتناول كتابا تلو الآخر، أفر أوراقها جميعا، كالمهاويس أفعل، تحولت كل العناوين، والكلمات، والسطور، كلها، إلى كلمتين، “لست لك”، ينهار الجدار، أرتمي، لا أرض تحتي! كابوس!

مدينة الأبراج، ألصق وجهي وكفاي، على زجاج مكتبها، حبيبتي، منشغلة جدا، أصرخ لأنبهها، لا صوت! أضرب الزجاج، أناديها، لا تراني، تمتد يدها لتعدل وضع لافتة مكتبها، مكتوب عليها، “لست لك”، أتشنج، أصرخ، لا صوت! براويز على جدران المكتب، يتكاثف بخار أنفاسي على الزجاج، فلا أرى، أنتقل كالمجنون إلى مكان آخر، البراويز كلها، لافتات، كلمات باردة، جافة، تثير إعجاب الغرباء، وجنوني أنا! كابوس!

إستديو برنامج تلفزيوني، مذيعة حسناء تستضيفني، أراني معها، أنبههم إلى أن هذا ليس أنا، هذا بديلا عنى يا حمقى، ما من مجيب! أيأس، بديلي أنيق جدا، يمسك قلمي بيده، يضغط زره عدة مرات كل دقيقة، يصدر “تكتكة” يتشقق لها الديكور، يثير إعجاب المذيعة إلى أقصى حد، يقرأ من أوراقي أنا، أنصت:

– يبقى هاجس أن تستمر الحياة من دوننا مفجعا في وجعه، لكن الأكثر وجعا، والذي نهرب من تصوره دائما هو هاجس البديل، تُرى، من سيختارونه بديلا عنك؟ من سيسمعونه كلاما كان مخصصا لك وحدك؟ من سيقتحم حرما كُتب باسمك أنت؟ من ستُبنى له القصور والجنات؟ من سيمر من مكانك إلى لحظات الفرح، والدموع، والأوجاع، والحضن الدافيء الذي كان لك أنت؟ من سيمنحونه كل ما كان لك، وجعل منك إنسانا، بدلا منك؟ من؟!

أصرخ في الجميع، لا أحد يرى، لا أحد يسمع، كابوس!

أنتزع نفسي من الفراش، غارقا في العرق البارد، فقط ليداهمني الدوار اللعين، رفيق الدرب الجديد، الذي………..

 

 

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى