الرئيسية / أبيض وأسود / الموت يُغيب الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف

الموت يُغيب الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف

كتبت: زينب عطاف

في مثل هذا اليوم “15 يوليو” عام 1904، غَيب الموت الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، بسبب معاناته المريرة مع مرض السُل. عاش أنطوان تشيخوف ظروفًا غاية في القسوة في طفولته وشبابه، وبَدل أن تعيقه وتُحد من طموحاته، كانت حافزًا قويًا له للتألق والتميز في عالم الأدب، فولج باب العالمية من أوسع أبوابه بفضل الأدب، وأصبح، بالنسبة للكثير من المهتمين بالأدب في كل أنحاء العالم، أعظم كاتب للقصة القصيرة ورائدها الأهم. امتهن الطب وعشق الأدب، فسيطر العشق على المهنة، فكانت النتيجة روايات وقصص ونصوص مسرحية جابت الدنيا شرقًا وغربًا، وحملت صاحبها إلى العالمية، لدرجة جعلت الكثيرين ينعتونه بساحر القصة والمسرح الدرامي في العالم.

44 عامًا عاشها تشيخوف، كانت كافية لتجعله واحدًا من كبار أدباء العالم، إذ خلف ورائه مئات القصص القصيرة، وعُدّت الكثير من أعماله إبداعات فنية خالدة، مثل “وفاة موظف”، و”مزحة”، و”جهاز العروس”، و”حكاية مملة”، و”جزيرة سخالين”، التي تتحدث عن رحلته إلى تلك الجزيرة النائية الواقعة بالشواطئ الشرقية لروسيا. كما تركت مسرحيات تشيخوف أثرًا عظيمًا على فن الدراما في القرن العشرين مثل: “طائر النورس”، و”الخال فانيا”، و”الأخوات الثلاث”، و”بستان الكرز”.

لقد تعلم الكثير من كتاب المسرحيات المعاصرين من تشيخوف كيفية استخدام المزاج العام للقصة، والتفاصيل الدقيقة الظاهرة، وتجمد الأحداث الخارجية في القصة، لإبراز النفسية الداخلية للشخصيات. وقد تُرجمت أعمال تشيخوف إلى لغات عديدة.

وُلد “أنطوان تشيخوف” في 29 يناير من عام 1860، أيام أن كانت روسيا تحت سيطرة القياصرة، وهو من أسرة فقيرة بالكاد استطاعت أن تساعد ثلاثة من إخوته للبقاء على قيد الحياة، إذ كان والده ابن أحد العبيد الذين استطاعوا أن يشتروا حريتهم بالمال.

وترك والده في نفسيته أكبر أثر سلبي، إذ عُرف عنه تعسفه وقسوته، واعتناقه للمسيحية الأرثوذوكسية الشرقية المتشددة، أما والدته فقد كان لها أكبر الأثر الإيجابي في حياته، إذ عرفت بإتقانها لفن الحكي المستمد من رحلاتها في كامل البلاد الروسية رفقة والدها تاجر القماش.

عُرف تشيحوف في طفولته بتعليقاته الساخرة من أساتذته في المدرسة اليونانية، والتي التحق بها بعيدًا عن عائلته، فعاش فيها طرائف وغرائب، كان أقواها احتجازه فيها لمدة عام كامل بسبب فشلة حمسة عشرة مرة في امتحان اللغة اليونانية، كما عرف بولعه بالمسرح تمثيلاً وتأليفًا وهو يقيم بين جدران تلك المدرسة، فكان يؤدي أدوارًا في عروض المسرح المحلي بين الحين والآخر، وحاول كتابة “مواقف” قصيرة، وقصص هزلية فكاهية، واستطاع أن يؤلف في تلك السن مسرحية طويلة عنونها “دون أب” لكنه تخلص منها فيما بعد.

وفي عام 1876، أعلن والد تشيخوف إفلاسه بعد إفراطه في الحصول على تمويل لكي يبني منزلاً جديدًا، وبسبب إفلاس والده وعجزه عن دفع الديون المتراكمة عليه، اضطر تشيخوف إلى العمل لتمويل دراسته، بل كان مطالبًا بإرسال بعض المال إلى أسرته المنتقلة حديثًا إلى موسكو هربًا من السجن بسبب الديون، فعمل مُعلمًا خصوصيًا وصيادًا لأحد أنواع الطيور الشهيرة في روسيا، ومن عمله البسيط استطاع أن يُلبي حاجياته الشخصية، وتولى مسؤولية دعم جميع أفراد الأسرة، ودفع الرسوم الدراسية عنهم، وكان يبعث بالمال إلى العائلة ومعه رسائل كلها دعابة وترفيه حتى يرفع من معنوياتهم، خاصةً معنويات والدته.

وبعد أن أتم دراسته التحق بعائلته في موسكو ليدرس الطب، وهناك وقعت الانعطافة الكبرى في حياته، إذ زار أوكرانيا وكتب رواية عن جمال مناظرها فكانت علامة واضحة لدى المهتمين بالأدب على تفتق موهبة أدبية سيكون لها مستقبل باهر.

ومن أشهر مقولاته:

  • “لا يرتقي الإنسان إلاّ عندما يلمس بيده حقيقة الحياة التافهة التي يعيشها”..
  • “كلما ازداد الشخص نقاءً، ازداد تعاسةً”..
  • “إذا كان في وسعك أن تحب ففي وسعك أن تفعل أي شيء”..
  • “إن ما يحتاجه الإنسان هو العمل المستمر ليل نهار، والقراءة الدؤوبة، والدراسة، والسيطرة على الإرادة، فكل ساعة من الحياة ثمينة”..
  • “إن العقل والعدل يخبراني، بأن هناك قدرًا من الإنسانية في البخار والكهرباء أكبر مما في العفة والنبات”..
  • “لقد أردت فحسب أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا إلى أنفسكم، انظروا كيف تحيون حياة سيئة مملة. فأهم شيء أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيدون حتمًا حياة أخرى أفضل. ولن أراها، ولكني أعرف أنها ستكون حياة مختلفة تمامًا، لا تشبه هذه الحياة. وطالما لم تحل فسوف أظل أردد للناس مرة بعد مرة: فلتفهموا كيف تحيون حياة سيئة مملة”..
  • “تعودنا أن نعيش ونحن نأمل بطقس جيد، وبمحصول وفير، وبقصة غرامية لطيفة، نأمل بالثروة أو بالحصول على منصب، ولكني لا ألاحظ أن أحدًا يأمل بأن يزداد ذكاء!. ونقول لأنفسنا: عندما يأتي قيصر جديد ستتحسن الأحوال، ولا يأتي، وتزداد الحياة في كل يوم تعقيدًا، وتمضي في اتجاه ما من تلقاء نفسها، أما الناس فيزدادون غباء بصورة ملحوظة، ويصبح عدد متزايد من الناس على هامش الحياة”..

هكذا قال الكاتب الروسي العظيم انطون تشيخوف، فقد كان يُمقت طغيان وظلم وكذب وغرور “الأقوياء” ومهانة “الضعفاء” ويحارب بلا هوادة ضد الابتذال بكل صوره، ويُقّدر فوق كل شيء العدل والحقيقة والكرامة الإنسانية والجمال الروحي. لم يدرك أحد بمثل هذا الوضوح والرهافة، كما أدرك تشيخوف، مأساوية توافه الحياة، ولم يستطيع أحد قبله أن يرسم للناس بهذا الصدق الذي لا يرحم صورة مشينة وكئيبة لحياتهم في الفوضى الكابية للواقع اليومي العادي التافه. ورغم أن قرنًا من الزمان يفصلنا عن الكاتب، فإن أعماله تبدو اليوم وكأنما كتبها أديب معاصر، لأن موهبة الفنان الحقيقي وقلبه الطيب الشريف يتخطيان حدود الزمان والمكان.

عن bahaa.elhossainy@gmail.com

شاهد أيضاً

هند جعفر تكتب: صبري موسى..السيد من حقل الأدب

بقلم: هند جعفر الكتابة عن “صبري موسى” مثل القراءة له؛ فعل اشتباكي في المقام الأول، …

Phone
Viber
Snapchat
WhatsApp
Email
Messenger
Messenger
Whatsapp

Add the number to the Contacts on your phone and send us a message via app.

Call us:

201024979794+

Snapchat
كُتُب وكُتَّاب
Viber
Phone
Email

Send this to a friend