مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدونات الجبرتي .. الكتيبة الفرنسية «16»

 

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

إلى أهل جرجا، الصعايدة الكرام، المباركة بلادهم وناسهم؛ مسلمين ونصارى، جئناكم من أقاصي الأرض ملوحين براية السلام البيضاء؛ كي ندهس أعداءكم بخيولنا وأقدامنا، كل مملوك نجس ظلمكم، واغتصب أرضكم، ومسَّ حريمكم بسوء، سنصلبه أمام أعينكم جزاءً لما فعل، العين بالعين والسن بالسن والجروح قِصاص، من دخل من أهل البلد الكريمة داره فهو آمن، ومن اعتكف في المسجد يدعو الله بنصرة الفرنسيين على أعدائكم فهو آمنٌ، ومن انضم إلينا نال جُعلًا وفيرًا؛ نظيرًا لمساندتنا في كسر شوكة مناكيد المماليك، ومن حاربنا ألحقنا به نار السموم، وعددناه عدوًا لنا، ويصير عليه، ما يصير للمماليك، من يؤِ مملوكا، أو يمده بالطعام أو السلاح نذقه عذابًا فوق العذاب، مددنا لكم يدنا، فأعينونا بقوة، ولا تخذلونا، فيتعكر صفو ساري عسكر الكبير “نابيلون بونابرته”، ويرسل عليكم مدرارًا من الجنود والمدافع.

المخلص لكم: خادم الإسلام، وحامي رايته “ساري عسكر الصعيد”
في الشرق ترسو مراكب الفرنسيين، مشهرة المدافع في وجه المدينة، بين الحين والآخر يُطلق البارود، فتخرس الطيور، وتسكن حركة كل كائن، من ناحية الغرب الخيول موثقة، وخيام مجهزة لمعيشة الجنود، وفي وسطها صوان كبير لساري العسكر.
في اليوم الأول لدخول الكتيبة الفرنسية، رأوا مماليك “شاهين” يفرون من أمامهم كالخراف، قتلوا منهم ما يُثير الرعب في نفوس الأهالي، شلحوا ثياب رجل تخلف عن الكتيبة الفارة، كان يرتدي لباس جنود المماليك، بخناجر حادة ولامعة من وهج الشمس كشطوا جلده، بدأت بشرته في نز الدماء، طبقة الشحم في وهج الشمس تتحول للون الأسود، ظل موثوقًا، ومعلقًا في الساحة الكبيرة.
– اشنقوه، وأريحوه.

صاح رجل من المتفرجين.
واقترب آخر وستر عورته، تعجب الناس من ترك الجنود لهم بتغطية الرجل، تجرأ غيرهم وأنزلوه من الأسياخ المعلق عليها، غطوا جسده، نظروا لوجهه، فلم يعرفوه، تحول لكائن ممسخوخ، تركوه تحت ظل شجرة، زحفتْ أسراب النمل تمشي على تضاريس الجسد المشوَّه، لحظات وتجمعت مئات من النمل، تنادت للقدوم، وجاءت تركض، وجبة شهية تسمح لطاعميها بمؤنة من الطعام تكفي لشهور، نفذت الأسراب إلى العمق من الشحم، وسعت فوق العظم، أنين ينبعث مع أنفاس متقطعة وحركة بطيئة، لم تُزعج النمل؛ ليواصل عمله بدقة ونهمٍ.
بالليل كان الملل قد تسلل لآلاف من الأسراب، امتلأت البطون، وحان وقت الرحيل، بين الشقوق تحركت ببطء متخمة بوجبتها الثقيلة، صَمَّتْ آذانها عن أصوات الصراصير والقنافذ، ودواب الليل، في الجسد تكونت خنادق وممرات كعلامة لوجود جنود النمل الذين عسكروا طَوال نهار بكامله.ذهبوا

ذهبوا تاركين الجسد لقادم يتحسس بأنفه، ماء مخلوطًا بدماء تسيل تحت الجسد، ورائحة لحم مشوي على شرر شمس الظهيرة، وجلد مدبوغ بسكاكين أولاد فرنسا، وأسنان دواب الأرض.

مدَّ القادمُ مخلبًا، نهش قطعة، غرس نابًا، وبسط بأريحيةٍ ذراعيه، من بينهما مرَّت الروح صاعدة لأعلى، وهمد الجسد، ورتعت الأنياب في لحم ساخن، وانعدمت مقاومة الحي الذي سافر مودعا الحياة.

في الظلام كانت عصى شيخٍ تدب على الأرض، وقلب فتى هواريّ يسعى صاحبه لتفقد أحوال البلدة في أول يوم تطأ فيه أقدام الفرنسيين أرض الصعيد.

قلَّب “همَّام” الجسد الطريح والمنهوش من ضواري الأرض، لا معالم تُدل عليه، في الوجه أو الجسد، خلع عباءته ولف بها كومة اللحم الباقية، نبهه “بولص” بضرورة الصلاة على الميت، لكن لا شيء يدل على أنه مسلم، على ضوء ركية النار الموقدة نظر “بولص” على الرسخ فلم يكن هناك صليب موشوم أو كان لكنه أزيل مع كشط الجلد، احتار الرجلان قررا  حفر قبر أسفل الشجرة نفسها، آواه فيها مع دعوات “همَّام”، وصلوات “بولص” ودموعه

 

«المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة موقع كتب وكتاب»

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى