مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. أبناء شيخ العرب همَّام (درويش) «3»

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم

بين يدي البِك المملوكي “علي بك” وقف “درويش” الابن الأكبر لشيخ العرب همَّام مُطأطئ الرأس، حانيَ الظهر، لا ترتفع عيناه إلى أعلى حتى يردهما مغروستين في وبر السجاد الفارسي أسفل قدمي البِك، قامته طويلة أعلى من البك نفسه، لكن بانحنائه وانكماش ذاته، ذاب فصار كرمح في يده، بجوار الشاب النحيل يقف “محمد بِك أبو الدهب” يُقلِّب النظرات بين أستاذه والشاب الذليل.

كان المدَّعون وماسحو الجوخ خارج القصر يهتفون  بحياة “علي ِبك”، ويدْعون له، صلَّى البِك مع حاشيته صلاة الجمعة، بعدها وقف خطيب المسجد يدعو للسلطان العثماني وللبِك، غضب منه غضبًا شديدا وأمر بضربه؛ لأنه ذكر السلطان قبل ذكره، ويبدو أن رقة أصابت “علي بك” فأرسل للخطيب ليلا وأجزل له العطاء.
كان “درويش” في ذلك الوقت في القاهرة قادما مع “أبو الدهب” بعد هزيمة والده، جاء طالبا الصفح من “علي بك”، أقام بالرَّحبة المقابلة لبيت “محمد أبو الدهب”، تحت عين حراسه، فيما يشبه الإقامة الجبرية عاش “درويش” بين جنبات أسوار وأبواب المحروسة.

في فترات النهار يتجول “درويش” في أحياء القاهرة مُعجبًا بحواريها وشوارعها ومساجدها، وطراز أبنيتها، يُشنف أذنيه بالحديث مع أهلها، تُطربه لهجتهم القاهرية الرقيقة والخفيفة على اللسان- التي لم يعتد على سماعها-  مقارنة بلهجة أهل بلاده الصعيدية الوعرة، أحسَّ براحة وَوَدَّ الإقامة فيها، ولو لحين، لكن هناك مسؤولية مُلقاة عليه باعتباره أكبر أبناء همَّام، ولابد له أن يعود إلى بلدته ويتولى مشيخة “هوَّارة”.
من شُرفة المنزل الذي يُقيم فيه، كان يرى جنود المماليك يمرون أمامه بخيولهم، ممسكين بنادقهم، يعرف أن تلك الخيول دهست يوما بيوت أهله هناك في الجنوب، يأتي على باله صوت النسوة المنتحبات وهُن يرين بيوتهن مُحرَّقة، وينادين على شيخ العرب لكن دون جدوى، يرى بعين خياله كيف مات أبوه ودُفن بعيدا عن موطنه، ولم يرتح في الضريح الذي أعده لنفسه، ولم تُقَم له جنازة تليق بمقامه العظيم، يُغمض “درويش” عينيه، ويغوص في الماضي الذي لا يعود، ها هو الآن أسيرٌ بين يدي أعدائه لا يملك إلا مداهنتهم وإذلال نفسه أمامهم بدلا من أن يعود إلى بلده صفر الكفين أو يفقد حياته علي يد مملوك خصي من هؤلاء الذين يرقبون حركاته وسكناته.
في صحن الجامع الأزهر يجلس “درويش”، تتلاشى من رأسه فكرة الإقامة في القاهرة، يتأمل قُبة السماء الصافية، تمر سحابة صغيرة، تتجه للجنوب صوب الصعيد، يُحِّملها الشوق إليه، وإلى أرضه وزرعه وبيوته وناسه، يُحمِّلها أمانة ليتها تعي فتطيعه وتهطل على قبر أبيه فتَسقيه رحمة وطمأنينة، وتطلب منه أن يغفر له ما قد اقترف في حق حُلمه، يبكي “درويش” حاله، وينظر حوله فلا يرى إلا وجوهًا تنظر له، كانوا يتأملون ابن أسد الصعيد في محبسه القاهري الواسع، كان “وَجيْهًا طَويْلًا أبْيَضَ اللوْنِ، أْسْوَدَ اللحْيةِ، جَمِيْلَ الصُّورَةِ” بحسب وصف الجبرتي الدقيق.

يعرف الناظرون إليه أن بإمكان “علي بك” أن يُطيح برأسه كما فعل مع الكثير من أعدائه وأصدقائه حتى الذين أمَّنهم على حياتهم، يتوقون بأن يحكمهم رجلٌ مثل “درويش”، مصري مثلهم، صعيدي شهم قويٌ، لا يعرف الغدر، ولا يوزع عليهم حِصص الظلم، ويَسقيهم كؤوس الذل ليل نهار.

لم تطل مدة إقامة “درويش” في القاهرة واشتاق للعودة للصعيد ليتولى مشيخة “هوَّارة”، وبدلا من أن يَدُسَّ خنجرًا في صدر “أبو الدهب” و”علي بك “شافيا غليله لضياع ملك أبيه، لكن ماذا يفعل وهو قليل الحيلة، وحيدًا في بلد غريب، اختار السلامة والخنوع، ورضيَ ناسيا المجد الذي كان سيُحقِقه لو ورث مُلك والده، لكن “درويش” وباقي أبناء همام يبدو أنهم لم يرثوا عن أبيهم ولا أجدادهم فكرة الزعامة وغَرْس رُمح ظلهم في الأرض، أو كانوا على الأرجح منهكين من ويلات الحروب التي خاضوها مع المماليك طيلة السنوات الماضية، والتي انتهت بهزيمتهم النكراء، كما أن آلات الحرب لدى المماليك كانت متفوقة على آلات المقاتلين الصعايدة، وذهب طموح “همَّام” بأن يحكم مصر ابنا من أبنائها يقيم فيهم العدل وينشر الأمن بعد سنوات طويلة من الاحتلال العثماني المملوكي.

وبشفاعة “محمد بك أبو الدهب” رحلَ “درويش” صوب “فرشوط” حاملا لقب “شيخ هوَّراة” لكنه لم يُحسن سياسة وتدبير أمورها، وكان كلُّ منْ يرى “درويش” يتمثل قول الشاعر “ابن زُريق البغدادي”:
أُعطيت مُلكًا فلم تُحسن سياسته … كذلك من لا يَسُوسُ المُلك يخلعُهُ.

يكتمل الحديث غدًا عن أبناء شيخ العرب همَّام وحالهم بعد وفاة أبيهم.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى