مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. دَمعةٌ على قبرِ شيخ العرب «4»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

 

أحمد جاد الكريم

عندما وصل “درويش” إلى “فرشوط” توجه إلى مسجد أبيه، كانت الشمس الحارقة قد لوَّنت وجهه  بلونٍ أسمر، واختفى البياض الناصع لبشرته، اجتاز مدخل المسجد الكبير دون أن يلتفت للمصلين المتأهبين لصلاة الظهر، رفع عينيه قبل دخوله الميضأة فوجد الأعين كلها متوجهة إليه، بعد لحظات كان هناك بضعة رجال في صحبته يقفون أمام المسجد، تداولوا حديثًا هامسًا مع المُصلين، خرج “درويش” من الميضأة وقد حلَّ عمامته من على رأسه، أقام أحدهم الصلاة، وأشاروا له ليؤمهم، بصوت ندي جهر قائلا “الله أكبر”، صوته قريب الشبه بأبيه، سحَّ رجل عجوز دمعا غزيرًا، وشهق آخر، ولم يتمالك نفسه، تذكروا كبيرهم، الصوت نفسه، لكن أين “همَّام بن يوسف”؟!

على بعد عشرات الكيلومترات، في قرية “قمولا” كان يرقد “همَّام” في قبره، عظامه تبلى يوما بعد يوم، يسعى الفناء إلى جسده في حين كانت بلدته تشبه ذلك الجسد البالي، كان على “درويش” وقد تقلَّد مشيخة “فرشوط” أن يُعيد الحياة مرة أخرى إليها، ويبني بيوتها المهدمة، الخراب زحف على كل ربع فيها، ولم يسلم إلا ذلك المسجد الذي اتخذه مماليك “أبو الدهب” لإقامة الصلاة فيه والنوم أحيانا؛ لأخذ قسط من الراحة لمواصلة تخريب البلدة، ونهب بيوتها.

في صباح اليوم التالي جلس “درويش” في جمع من الناس، وألقى خطبة قصيرة، تتضمن وضع خُطة لإعادة بناء البلدة، في نهاية كلامه ذكَّرَهم بأنه من الآن هو “شيخ العرب درويش”، عظيمهم وكلمته نافذة على الكبير قبل الصغير، لوى الرجال أفواههم امتعاضًا ومصمصوا شفاههم، وكان العجوز الذي انتحب في المسجد يتسلل من المجلس، متوجهًا إلى قبر “همَّام” ليقرأ هناك الفاتحة ويُسبل دمعة على قبره.

عرض “درويش” حُجةً مَمْهورةً بتوقيع “علي بِك” فيها اعتراف البِك بالتزام “درويش” على فرشوط”، يده ترتعش، وهو يتكلم بصوته الرخيم، لم يبد متبقيًا من أبيه إلا السحنة الجميلة والصوت، أما العينان فزاغتا مُوزعتين بين الجالسين حوله، وقد أخذوا ينفضُّون عن مجلسه، بين الحين والآخر يجمع شتات نفسه المبُعثرة، يهتف عاليا “أنا شيخ العرب درويش بن همام بن يوسف”، يطوف بنظره فيجد ابتسامات مخبأة، ابتسامات ساخرة كخناجر مغروسة في قلبه، مال عليه أحد المماليك الذين صحبوه في رحلته من القاهرة، قال له ناصحا:

–        لا تتحدث يا شيخ العرب أمام هؤلاء الغوغاء، تخيَّر لك نائبا عنك.

احمرَّ وجه “درويش” ووقف غاضبا، كان يبدو مهيبا فقط لمن يراه من بعيد، أو لمن يعرف ابن مَن هو، لملمَ عباءته، وضبطها على جسده، واتجه لقصر أبيه الذي تم تعميره بعدما دكته مماليك “أبو الدهب”؛ كان القصر ذو الحجرات التسعين مُهيئًا؛ ليليق بشيخ هوارة الجديد.

وقف بين القوم الجالسين  “زعيتر” أحد رجال “همام”، كان يضحك بصوت عالٍ وهو يشير إلى “درويش” الذي سار بعيدا، قال لهم:

–        بصوا يا عرب، “درويش” لابس عباية الشيخ همام، شوفوا كيف واسعة عليه؟!

تضاحك الرجال وأخذوا يتندرون على شيخ العرب الجديد، ظلَّ مُزحتهم المُسلية طيلة جلستهم، من بينهم أطل الشيخ إسماعيل” ابن عم “همام” الذي خانه، نفسه تتطلع للمشيخة، هو أكبر سنا من ذلك الشاب الأخرق، لكنه رضي مؤقتا ببعض أملاك “همام” التي كافأه بها “علي بِك” مقابل خيانته.

في قصر “الهمامية”، كان يسب “درويش” نساء أبيه، طالت يده ولطم أخته “شريفة”، حنق على الجميع ولم تعد له كلمة تسمع، ولا أمرٌ يُطاع، استقل أخواه “شاهين” و”عبد الكريم في بيتين مستقلين بعيدا عنه، كانت أحلامهما بمنأى عن السلطة، ولم يفكرا يوما فيما فكر فيه آباؤهم وأجدادهم.

لم يكن “درويش” وحيدا، معه رجاله المخلصون له، ومماليك آخرون، في فجر يوم اجتمع معهم، وضع خُطة للقضاء على نفوذ رجال أبيه، تعقبهم واحدا واحدا، صادر أموالهم، وانتزع منهم أراضيهم، ووزع بعضها على رجاله، فازدادوا ثراء وعددًا، وهذا كان كل ما يحتاجه. بدأ بـ “زعيتر” الذي أثار وألب هوارة كلها عليه نكَّل به، ونزع منه كل ما يملك، يقول الجبرتي إنه “أخذ منه أموالًا عظيمة في عِدة أيام، أخذَ منه في دفعة من الدفعات من جنس الذهب البندقي أربعين ألفًا”

ورغم ذلك ظل على ولائه لسلطة القاهرة، تُكاتبه ويُكاتبها، ويؤدي لها ضرائب الأرض الممنوحة له بالالتزام، ويبدو أن صداقة نبتت بينه و”محمد بِك أبو الدهب”؛ فقد بدا الأخير مُحبا له، حريصا على بقائه في منصبه؛ ظانا أنه بذلك سيضمن وُد “هورارة”؛ لكن عندما طالت أيدي “درويش” كل أموال وأملاك كبار الرجال خشي “علي بِك” من تعاظم نفوذه؛ فأرسل له  من قبض على مقادير عظيمة من تلك الأموال وقناطير مُقنطرة من الذهب والفضة، وعاد بها إلى مخدومه في القاهرة

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى