مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. خريف المِحَن «11»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

خريف بطعم الشتاء، خريف بطعم الحنين والمِحن، يُفكر “همَّام” و”بولص” في الخروج من “جرجا”، قوات المماليك تجتاح شوارع البلدة الجميلة، على رأسهم “شاهين”، الذي صار على رأس كتيبة من جيش “مراد بك” أحد تلامذة “علي بك” والمتولي  حرب الفرنسيس.

عسكر المماليك ينتشرون على مداخل البلدة، وعلى مرسى الإقلاع النيلي، يمنعون الدخول والخروج، الفرنسيون على بُعد فراسخ قليلة في أسيوط، “شاهين” عم “همَّام” يُمهد لدخول أسطول “مراد بك”.

“جرجا ستبتلع جيش الكفرة”

كان أئمة المساجد بأمر من القائد “شاهين” يُحرِّضون الأهالي على الوقوف مع المماليك ضد “الكفرة والأنجاس الطغاة الفجرة، البغاة الذين لا يؤمنون برب السماوات والأرض، ولا برسالة الشفيع يوم العرض”، حذروهم أن هؤلاء سوف ينهبون بيوتهم ويهتكون أعراضهم، ويغتصبون نساءهم، ويأخذون فتْيانهم ليعَملْنَ خَدَمًا، والفتيات ليعملن في بيوت الخَطَأ هناك في بلاد الكُفر والضلال.

بصحبة “شاهين” مشايخ من الأزهر، فقهاء ومُفتون للسطان ماسحو جوخ، تجار حروب ومنتفعون، وسماسرة بشر لا يفرقون بين يدِ مملوك ويد فرنسيّ

نسي المفتونَ وأئمة المساجد ما فعله المماليك من قبلُ، ويريدون من الأهالي أن يدخلوا حربا ينزفون فيها الدماء والأرواح من أجل عيون أطماع “مراد بك”

وقف “همَّام” على ربوة عالية يخطب في جمع من الناس، قال لهم:

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

“يا أهل جرجا، يا كرام الأصل، أريد أن أُعلمكم أني ما جئت لحُكمٍ ولا رياسة؛ فقد ودعناها من يومِ أنْ مات جدنا العزيز” شيخ العرب همَّام بن يوسف”، ونكص عنها أولادُه من بعدِه، جئت لزيارة بلد أحبها جدي العزيز، المغفور له، وبصحبتي العم “بولص” مَن كان ابن أيام شيخ العرب فسيعرفه كما يعرفه أبناءه وأخوته.

أهلي وأحبتي، لا تُصدقوا المماليك، (علي بك وأبو الدهب بك، ومن بعدهما ومراد بك)، بكوات تتصارع من أجل خيرات أرضكم الخصيبة، لا يهمهم لا رزقكم، ولا رزق عيالكم، لو توحدتم واخترتم حاكمًا منكم؛ مصريًّا يحكم مصريين، لا مملوكا لا أصل له، ولا إفرنجيًّا مُعوجَّ اللغة، غريب الوجه واليد واللسان”، جرجا قلب الصعيد، ولاية كبيرة، عين الغاصب دائما عليها، احموا أنفسكم باتحادكم، الدمار آتٍ، أحذية وخيَّالة المماليك والفرنسيس قادمة محالةٍ.

توافد ناس كُثر في ذلك اليوم، وهلَّل رجالٌ منهم كانوا قد شهدوا حكم صالح بك أيام شيخ العرب همَّام، ذهبوا له، وقبَّلوا أكتافه، وحملوه، وساروا به في شوارع البلدة.

رياح الخريف قاسية، رياح تُفجِّر الأرض حنينًا واشتياقًا لأيام عِزٍ مضتْ، تُطل من أعين الهاتفين الذين يرون في الفتى الهوَّاري الجديد شيخا للعرب يذكرهم بمجد جده، لاحت في الأفق سحابات مبتسمة، تعِد بغدٍ مُورق على يد “همَّام الحفيد”، الرجال يسرعون الخُطى، يزداد عددُهم، ويعلو هتافهم، يكاد “بولص” يهرول من خلفهم؛ ليلحقهم، قوة وحياة دبت في أوصاله الميتة منذ سنوات بعيدة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى