مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. مسيحٌ بلا صَلبٍ  «12»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

 

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

بقعة ضوء تبزغ في حُلكة الليل، تتسع البُقعة بما يُبشر بليلة عُرس طويلة ثم ما تلبث أن تتقلص تمامًا حتى تنطفئ.
مئة رجل، مائتان لن يغلبوا ألفًا، شتت مماليك “شاهين” الجمع، فرقوهم بعدة طلقات صُوِّبت على صدور من كانوا في المُقدمة، وجد “همَّام” نفسه وحيدًا هو و”بولص” وخادماه وبعض الرجال الذين وقفوا بجانبه ولم يتركوه، اُقتيدوا كلهم موثقين بالحبال وألقوا في السجن، بعد ساعات سحب المماليك “همَّام” وأحضروه أمام عمه “شاهين”، كان قد سمع بخبر القبض عليه، وتعجب من وجوده في “جرجا” في أتون الحرب الدائرة بين المماليك والفرنسيين، الصعيد يرقد على فوِّهة من نارٍ. بادره بسؤاله:

– لماذا لا ترقد في حضن أبيك يا ابن عبد الكريم؟

قال له “همَّام”:
جئت من أجلك، “فرشوط” تنتظر يا عَمّ.
– مشكلتكم يا هوَّارة أنكم تنظرون تحت أقدامكم، تُفكرون في حكم غيطان فرشوط، أنا حلمي أوسع، عيني ترى أبعد مما ترون.

– لن تَبلُغ ما بلغه جدي، وفي النهاية انكسر على يد من تحالفهم الآن.

– جدك انكسر؛ لأنه كان يحارب بيديه ، كان يحتاج لسيف في يد، واليد الأخرى يضعها في يد المماليك؛ لأنهم هم الأقوى، تجذروا في عروق هذه البلاد، وانغرسوا فيها، يملكون القوة والعتاد، والبارود، الفرنسيون جاءوا لغرض خبيث، يودون دحر المماليك وتأديبهم، وهم جاءوا لاحتلال مصر، لن يتركهم المماليك ولا المصريون يهنئون بيوم واحد، وسترى الثورة تعم بر مصر كلها.

– ما لنا وللثورة يا عم، عُد إلى بلدك واسكن قصر جدي، عمتي وجدتي في انتظارك، يا عم الحلم الكبير يبدأ من امتلاك ما هو متاح في اليد.

– “همَّام” أنت صغير السن، لو تركتُك لأكلتك المماليك أنت وهذا العجوز الخرف الذي تصحبه معك، لا تجمع رجالا مرة أخرى، ولا تهتف بقيام أو سقوط أحد، عُد أنت إلى شيوخك في الأزهر وتلقى عنهم العلم، أو من الأفضل لك أن تعود إلى “بهجورة” بجوار أبيك المريض. في أي لحظة سيهجم على جرجا جنود الفرنسيس فلا تبق يوما واحدا ستهلك بين هؤلاء وأولئك.

– يا عم..

– انس شيخ العرب، ومشيخة هوَّارة، هذا ماضٍ لن يعود.

نظر “همَّام” لشاهين كان يملك عينين جريئتين، وصدر شمخ كالمحاربين القدماء الذين قرأ عنهم في السير والملاحم، اقترب من الستين بجسد رجل أربعيني. ما أحزن “همَّام” ارتداء عَمِّه لباس المماليك، ما الفرق بينه والأمير “مراد بك”، مَن والد مراد؟!، من جده؟، شجرة عائلته في أي بلد تضرب بجذورها؟!

خرج “همَّام” وصحبه، بحثوا عن قصر صالح بك، وجدوه ترابا متراكما، البلدة تقع تحت سيطرة المماليك، الحوانيت مُغلقة، والأسواق خالية من البضائع، نهب المماليك كل شيء ووضعوه في مخازنهم تحسبا لأيام الحرب القادمة، ظلوا يحشدون الناس ويجمعونهم تحت كلمة واحدة “الثورة ضد الفرنسيين”، الخطر قادم.
“بولص” يسح دمعا غزيرا، و”همَّام” يقرأ ما بداخله، كل شيء مكتوب في خيوط الدموع المنسدلة، لحظة انكسار “شيخ العرب” تمر الآن بخاطر “بولص”، يذكر المسيح ويرفع عينيه للسماء، يتمتم “أبانا الذي في السماوات” يذكر العذراء، يقول “بولص” ، وهو يواصل البكاء:

– يوم مات جدُّك كنت أرى أمامي المسيح مُعلقًا على الصليب، شيخ العرب – يوم موته-  كان مسيحًا لكن بلا صلب، اختار أن يموت بكرامة دون طعنة رمح ولا مسمار يُدق في يديه وقدميه، كان حقًا يوم هَولٍ عظيمٍ، أراده الكبيرُ أن يمر بسلام وخرجت روحه كحمامة بيضاء تتجاوز أقطار السماوات، طار بعيدا، ودُفن الجسد وحيدا حتى لا يرى قبل موته من خانوه.

وسكت “بولص”

قال “همام” في حُنقٍ:

– أكمل يا عم أرجوك، قل لي كيف يُخان الكبيرُ؟

واستمر صمت “بولص”، ثم نطق:

– اسكت يا ولدي.

خرجت الكلمات مغموسة بالألم.
– اسكت يا ولدي، العين سوف تسكب دما لا دمعًا.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى