مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. وادي المُستضعفين «13»

كتب: أحمد جاد الكريم

 

مثل كل المدن التي تقف على تخوم الفواجع، كانت طهطا تنكمش في صقيع ليل الشتاء القادم مبكرًا، يجري النيل من الجنوب مُتدفقًا، ثم يصب ماءه في زروعها، وغيطانها، يمرُّ النيل في رحلة مسيرته الدائمة إلى الشمال على جرجا، يُحَمِّله “همَّام” الشوق إليها، يهمس في أذن النسيم، ويكتب على ريش أجنحة الطيور البيضاء التي تعبر سماء المدينة وتقف لتتزود من قمح “جرجا” وتستظل بأشجارها رسالة مُترعة كلماتها بالحنين.

ألف حياة الظل، وارتاح تحت شجرة السكون، يسير وحيدًا، ويكمل طريق حياته مصطحبا بشيخوخته، وبقايا الذاكرة التي تحتفظ بآلاف الصفحات من كتب الفقه والتفسير والحديث والنحو.

في بيت تحوطه الغيطان من كُلِّ جانب، قناني ماء تمر من خلف البيت، وشرفة تطل على المروج الخضراء، يعيش الشيخ إسماعيل الطهطاوي مع ابنته الوحيدة فاطمة بعد سفر أخويها إلى الشام منذ سنوات ليعملا في التجارة، ورثت فاطمة العلم من أبيها، وقرأت عليه مئات الكتب، كانت أصغر فتاة في المدينة تحفظ القرآن، ويوم إجازتها ذهب بها أبوها في رحلة إلى القاهرة، كان غريبًا أن يذهب أب بابنته إلى الشمال عن طريق ملاحة رديئة عبر النيل، لكن البنت كانت قُرة عين أبيها، وعندما طلبت أن ترى المحروسة لم يرفض الأب الحنون طلبها، حملها معه في زيارته الأخيرة إلى القاهرة، كان وقتها قد قرر الاعتكاف في الصعيد، وعدم السفر مرة أخرى، هناك ودع تلاميذه ومنحهم وصاياه الأخيرة، أبلغهم سلامه لكل بلد ينتمون إليها، صعايدة وسكندريون، شوام،

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

مغاربة وحجازيون، أعطى أحد طلابه من المشايخ النجباء رسالة يُبلْغها لابنيه في أقرب زيارة له للشام، كانت الرسالة عتاب لهما، سألهما هل نسيا أباهما لتأكله السنوات وحيدا، قال أيضا: إنه بنى مقبرة في طهطا؛ لأنه لا يريد أن يُدفن في القاهرة مثل باقي مشايخ الأزهر.

سافر الطالب إلى الشام وعاد بعد عامين ليجد سُفن نابليون ترسو على شواطئ الإسكندرية، ترسل حملاتها إلى نيل المحروسة وتدك متاريسها الواهية بمدافعهم.

دخل صحن الجامع الأزهر، تجمع حوله أصدقاءه وتلاميذه الذين صاروا شيوخا، ونادى في القوم أن هُمُّوا لقراءة البخاري ليدحر الله عنا شر الفرنسيس، ظلت المشايخ والطلبة طيلة اليوم تقرأ بصوت عالٍ حتى خيَّمَ الليلُ وأرخى السكون حموله لفترة وجيزة بعدها توالت طلقات مدافع جنود نابليون.

في زيارة فاطمة للقاهرة أقامت مع أبيها بحجرة كبيرة في درب الأتراك الذي يسكنه أغلب أهل الصعيد المُقيمين في المحروسة، بعد انتهاء دروسه التي يُلقيها في الجامع الأزهر يأخذها لزيارة أقارب لهما في الغورية، وقبل أن تهبط الشمس مختفية يزوران ضريح سيدنا الحسين. تعهد لها أن يذهب بها كل يومٍ لزيارة ضريح من أضرحة الأولياء، قالت له مرة إنها تَودُّ زيارة ضريح الشاعر المتصوف عُمر بن الفارض، كانت قد حفظت أغلب شعره من مخطوط في مكتبة أبيها بطهطا، منحها نصف فضة ليلة أن تلتْ عليه “تائية ابن الفارض الكُبرى”، قَبَّلها بين وجنتيها، وظل طَوال الليلِ يشرح لها ما استغلق على فهمها منها، كشف غوامض القصيدة المُطوَّلة، وجلَّى لها أسرارها، وفكَّ طلاسمها حتى سمتْ رُوح فاطمة صاعدة في مدارج العارفين، كانت إشارة من السماء تنزَّلتْ على قلب الأب “ألا ينقطع ذكره بعد رحيله ما دامَ قلبُ  بُنيَّتِه يخفق بين حنايا ضلوعها.”

في الفجر أشرق وجهها، قال لها: أنْتِ نفيسةُ العِلمِ، المَفْطُومةُ عن الجَهلِ.

يحتاج الشيخ إسماعيل لعونِ الشيخ الصغير “هَمَّام بن عبد الكريم”، تلميذه ومريده؛ ليصحبه وابنته إلى سفح المُقطم حيثُ ضريح سلطان العاشقين، التلميذ لا يستطيع مناقشة رأي أستاذه فضلا عن رفض ما يطلبه منه.
سار الثلاثة مع نسمات عصر يوم جُمعة من ربيع سنوات قاهرة ما قبل الصدمة الفرنسية، رأى “همَّام” لأول مرة ابنة شيخه، غضَّ بصره حياءً، كان يسمع عن علمها وتقواها، وتفقهها في الدين على يد أبيها، كان كلما ذكرها قال عنها: “ابنتي اللوذعية”، ويسأله “همام” ما معنى لوذعي، فيقول له الشيخ ضاحكًا: اللوذعي هو العبقري الفهَّامة شديد الذكاء.

مرَّوا على وادٍ قفرٍ بين صخور المُقطم، تُرسل فاطمة نظراتها على قمة الجبل متنقلة بين صخوره ترى من بعيد بناء القلعة الشاهق المنتصب على قمة عالية، جبال في جبال، بينها نبتت بيوت قليلة لفقراء ومجذوبين طاردتهم شرور أمراء القاهرة وحال المدينة المتبدل، كلما أوغلوا في قلب الجبل أحسوا بأن الشمس ما أرسلتْ أشعتها إلا لتصهر هذا الصخر.
أشار “همَّام” على صخرة  كبيرة مثقوبة، تبدأ بفتحة صغيرة ثم تتسع كلما ولج الناظر ببصره داخلها، قال إنها من بقايا وادي المُستضعفين الذي كان يتعبَّد فيه مولانا ابن الفارض، هنا رأى الله، وهنا دُفن، أكملتْ فاطمةُ تُتِمُّ كلامه:

– كان يبحث – رضي الله  عنه– عن الفتح حتى أنه ترنم بعشقه للحجر، والرمل، تعلق بهذا المكان زمنًا لم يطُل، إذْ شعر أن شوقه للحقيقة لم يُطفأ، فسافر لمكة وهناك تنزلت عليه الفتوح، وقابل مجايله الإمام الصوفي “السُّهْرودي”-  المقتول على يد صلاح الدين الأيوبي – فكتب جُلَّ أشعاره، وتحقق له مراده.

مرَّت كلمة “عشق” على أُذني “همَّام”، همَّ بالالتفات إلى المُتحدثة، لكنه نهى العين عن النظر، كلامها بازغ من مشكاة شيخه، وصوتها قادم من رَوح الجنة، النسيم من حولهما رقَّ – على قسوة حرارة المقطم – فعبق الجو بشذا الريحان.

 

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى