مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. الشوق إلى طهطا  «14»

كتب: أحمد جاد الكريم
إلى الجنوب أم إلى الشمال  يا “شاهين”، في الجهتين دونك الحرب، لو تخليت عن لباسك وعُدت إلى جلبابك وعمتك لقاتلك المماليك ومزقوكَ، ولو سرت معهم لتلقى الفرنسيين لنهشوك ورَمَوك في بحر النيل مثل أي مملكوك حقير.
تندفع قوات الفرنسيين من ناحية “برديس” * متجهة إلى جرجا، وفي الوقت نفسه تسير مراكبهم في النيل لتطبق على الأسد الهواري.

في خُطة القائد الفرنسي أن مملوكًا تابعًا لمراد بك يتمترس في جرجا ويجب القضاء عليه، لا يَعرف من هو “شاهين” من الأساس. يقضي “بولص” طول الليل مع “همَّام” الذي يحاول أن يجتث منه شذراتٍ الماضي الذي عايشه مع الجد الكبير، لكن ذاكرة  “بولص” تأبى أن تلفظ أي شيء، على أنها تقارن بين الحاضر والماضي مقارنة قاسية بين الكبير وصغاره.
عندما نظر إلى عيني “همَّام” قال له عيناك عينا عاشق لا عينا قائد أو مقاتل أو باحث عن مجد، في الحرب لا تُصغِ لنداء قلبك، ستكتشف بعد عدة سنوات أن الحب والغرام لا يليقانِ بك، وأنه يهدر وقتا يجدر بك استغلاله في التقدم خُطوة نحو حُلمك.
كانت الصيحات تنادي الجميع لأن يقفوا في وجه الكفار القادمين، تسلح الأهالي بالشوم والنبابيت، بجوارهم المماليك كمن يقفون ليمنعوهم من الفرار، الطبنجات مصوبة تجاه رؤوسهم لا تجاه الكفار!.

ونادى منادٍ في المسجد ألا يفر من الزحف إلا كافر جاحد وجب قتله فورًا، وطلعت شمس الضحى وبنادق الفرنسيين ومدافعهم تمطر جنبات جرجا، كان أول الفارين “شاهين” وكتيبته، احتمى بالجبال خلف “برديس” التي يعلم مداخلها ومخارج مغاراتها مستغلا جهل الفرنسيين بهذه المناطق، وبين الحين والآخر يناوش الجند الفرنسيين على طريقة حروب العصابات.

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

بين الكر والفر خسر نصف قوته عُدة وعتادا، ولم تصله إمدادات من “مراد بك” المُحتمي في الفيوم، يبدو أنه أرسل “شاهين”، ومن معه ليتخلص منهم لأنهم كانوا من أصحاب الطموح والذين يرغبون في سلطة ما، اختار لهم جرجا وهو يعلم أنها محط أنظار أي غاز وبهلاكهم يظن الفرنسيون أنهم حققوا انتصارا على الأرض ويغتروا في قوتهم وينشغلوا بقتال أهالي الصعيد الذي استطاع “شاهين” أن يشعل فيهم الثورة ضد المحتل الغاصب ووضعهم في المقدمة بآلات لا تصلح للحرب.
يتذكر “همَّام” فاطمة، على بعد يوم أو يزيد بالإبحار عبر بحر النيل، يصل إلى طهطا الساكنة فيها الحبيبة، كان مقررا أن يُعقد قرانهما، لكن جند الفرنسيين ومن قبلهم مماليك شاهين يحولان دون عبوره النهر.
ظلوا محصورين لا هم منضمون إلى الأهالي، ولم يفروا مع مماليك شاهين رغم توسله إلى ابن أخيه في أنْ يصير مقاتلا معه.

بين الجبال كان شاهين يُدرب مماليكه، ويحاول بين الحين والآخر- في غفلة من الجند الفرنسيين –  ينهب بيوت برديس القريبة منه؛ حتى يتقوت هو وجيشه وإلا ماتوا وأكلتهم كلاب الصحراء، المكاتيب المرسلة إلى مراد بك لا تجد أذنا مصغية، فكر شاهين في الذهاب إلى فرشوط وهناك يجمع قومه وأهله وباقي العربان ويكر مرة أخرى على الكتيبة الفرنسية، لكن هواه ليس فرشوطيا، ولم يستطع أن يجمع أنصارا له هناك، يتذكر مصير أخيه “درويش” وكيف خرج مدحورا منها، تمطره لعنات النساء والرجال، بعد موت الكبير “همَّام” نفد مخزون الحب والمهابة في نفوس الفرشوطيين تجاه أبنائه، ولذلك قرر أخوه  الأوسط عبد الكريم الرحيل إلى بهجورة، حتى يزرع هناك بذور محبة جديدة فربما تنبت ذات يوم أشجارا يستظل بها أحفاد “همَّام” الكبير في سنوات تنكرِ الناس لهم ونسيانهم ذكر الجد العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قرية تابعة الآن لمركز البَلْينَا جنوبي محافظة سوهاج – جمهورية مصر العربية.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى