مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مدوَّنات الجبرتي .. رجال شيخ العرب همَّام (أنصار وخَونة) «2»

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم

كان لشيخ العرب همَّام رجالٌ استعان بهم في إحكام السيطرة على مملكته؛ التي امتدَّتْ في الفترة بين عامي ( 1765 – 1769 )؛ وكان هؤلاء الرجال من المماليك الفارِّين إلى الصعيد من بطش مماليك القاهرة أو عُربان من قبيلته “هوَّارة”  أو قبائل أخرى، وكان شيخ العرب يتمتع بنفوذ ومكانة كبيرة في كل أسقاع الصعيد، فلم يذع صيت أحد مثله رغم تعدد شيوخ العرب وشيوخ القبائل الذين ترجم لهم الجبرتي ترجمة بسيطة لا كالترجمة التي أفردها لشيخ العرب همَّام.

بالنسبة للمماليك فإنهم انقسموا بين مُناصر وعدو له، ومناصر آخر انقلب إلى عدو؛ وكان من بين المناصرين المُحبين الأمير المملوكي صالح بك القاسمي، وكان علي بك الكبير قد عيَّنه واليًا على جِرجا( سوهاج الآن )، وتوطدت علاقته بشيخ العرب ونمت بينهما صداقة قوية، وعلاقة متينة.

وكوَّن شيخ العرب مع الأمير صالح القاسمي تحالفًا ضد على بك الكبير الذي تغيَّر خاطره على الأخير، وأراد إقصاءه عن ولاية جرجا وتعيين حسين كِشكِش بك مكانه، وفي خُطوة جريئة قطع شيخ العرب الاتصال بين الصعيد والقاهرة، ومنع إرسال الغلال والأموال الأميرية*.
وباءت محاولات علي بك كلها بالفشل وتعاون كِشكِش بك مع صالح بك وتقهقر علي بك فارًا إلى الشام؛ لكنه عاد متظاهرًا بالندم وحاول استمالة كل من صالح بك وشيخ العرب الذي خدعته توسلاته، وظن شيخ العرب أن الأمر عندما يؤول إلى علي بك ويتولى حكم مصر سيُقره أميرًا على الصعيد ويُثبِّت حليفه صالح بك على جرجا، لكن ما إن دخل علي بك القاهرة وذاق حلاوة النصر؛ إذ به يغري أتباعه بقتل صالح بك؛ ليتفرغ لكَسر دولة عَظيم الصعيد؛ لتصير مصر كلها في يده، هذا ما حدث في عام 1769م بعدما دام مُلك شيخ العرب أربع سنوات فقط.

كان من أسباب هزيمة شيخ العرب فضلا عن انطلائه على خُدعة علي بك، خيانة ابن عمه الشيخ إسماعيل أبو عبد الله؛ إذ حارب في جيش محمد بك أبو الدهب تلميذ علي بك الذي جاء ليدك حصون “فرشوط”؛ موطن شيخ العرب، وضَمَّ أيضًا عددًا من رجال همَّام لجيش أبي الدهب، ولما اقترب أبو الدهب من فرشوط، كان شيخ العرب يلملم شظايا مُلكه المتناثر، ويرمق بلدته تتهاوى تحت سنابك خيل المماليك، وحزَّ في نفسه خيانة ابن عمه، فأدركه الموت مقهورًا قُرب إسنا في قرية قمولة*، وذلك في أول نوفمبر 1769م،  وكان في نحو الستين من عمره.

رقص علي بك فرَحًا، وهو في قصره بالقاهرة عندما أتته الأنباء بانزياح مُلك شيخ الصعيد، واستتب له الأمر؛ فصار شيخ البلد التي ترزح تحت إمرته، الرجل الأوحد بلا منازع في ربوع البلاد من شمالها إلى جنوبها.
وعاد قائده محمد بك أبو الدهب مُظفرًا إلى القاهرة، منتشيًا بالنصر وفي صحبته “درويش” الابن الأكبر للشيخ همَّام، جاء ليُكمل رحلة سقوط والده واندثار حلمه القديم.
غدًا يستمر الحديث عن أبناء شيخ العرب همَّام الذين ساهموا في انطماس حُلم أبيهم وزوال مجده إلى الأبد، رغم المحاولات الفاشلة في قادم الأعوام من آل هوَّارة من الهمَّامية الذين كانوا يأملون في استعادة مُلك جدهم الذاهب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الأموال الأميريَّة: الأموال الحكومية.

* قرية “قموله” أو “قامولا” أو “كموله” بمركز نقادة جنوب مدينة قنا، وقِيل إن شيخ العرب أدركته المنية في قرية “كيمان المطاعنة”، ولكنه دُفن في ( قمولة )

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى