مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. صِراع البَكَوات «التلميذ وأستاذه» «5»

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم
يُنِقِّل “علي بِك” بصره في أطرافِ مملكته، ها هي مصر كلها تدينُ له من شمالها إلى جنوبها، أهلك أسد الصعيد “همَّام بن يوسف”، أخمد ثورات شيوخ القبائل، وأطعم أفواه الطامعين، وأطاح برقاب المُتمردين، كانت له أيادٍ بيضاء على حلفائه، أغرقهم في الثراء، وأنعم عليهم بالأموال والأراضي والقصور، كان من بين خُلصائه تلميذه النجيب “محمد أبو الدهب” منحه البكوية وعلَّى مراتبه، وعيَّنه قائدًا لجيشه، مدَّ له يده بالمعروف، كان يُقبلها دائمًا، بعد كل مرة يعود فيها من حروبه التي لا تنتهي. سنوات عُمر “أبو الدهب” في تَقَدُّم، يرى الشعرات البيض تغلب السود، ينظر في المرآة كلما آب من سفرٍ “كَبُرت يا مُحمد ومازلتَ تلميذًا يُقبِّل يدَ أستاذه، المُلك مُلكه، يَهتف العامةُ بحياته، وتُصك العملة ممهورة باسمه، لحق به لقب كبير، وأنت مجرد بيك من بكواته، تسري أنباء انتصاراته في كل الأصقاع، وأنت الذي جلبتها له تاركا عيالك وحريمك وأرضك”

الأنباء تأتي لـ “علي بِك”  بتمرد وعصيان “أبو الدهب”، يرسل الخطابات والمكاتبات له، وما من رد.

” مللنا الحرب يا أستاذ، جهِّز جيشا آخر من المماليك النائمين في قصورهم وسط الجواري والغلمان.”
كان هذا أول كلام قاله “أبو الدهب” لـ “علي بِك” ثم تولَّى إلى داره.
من يومها دبَّ الخلاف بينهما، ذهب “أبو الدهب” إلى الصعيد مع أتباعه، يومًا بعد يوم  يُكثرُ عددهم، يستميل القبائل، ويضم إليه العربان، راسل “شيخ هوَّارة “درويش بن همام”، وضمه وقومه إلى حِلفه، كان قوام جيشه من المماليك الحانقين على “علي بِك”، وعُربان القبائل التي تود التخلص منه، وتلامذته ومريديه، من “جرجا”  التي كان قد قتل حاكمها حليف “علي بك”. انطلق السهم صوب القاهرة، لم يجد “علي بِك” حيلةً إلا الفرار إلى دمشق، ليَعُدَّ العُدة ويحشد الحشود.
في الصالحية جلس يُصيخ السمع للأصوات المُتسربة من الكون لأذنه، المُلك يذهب من قبضته، والعصافير تغرد من حوله كأن شيئًا لم يحدث، يمرق مُهرٌ سعيدٌ أمامه، أمه تُحمحم، تخيل نفسه يقترب من البحر سمع صوت تكسر الأمواج، وتذكَّر نفسه المُفتتة.
“ما الذي فعلته يا عليّ؛ ليكون هذا جزاؤك، عمَّرت أراضي المحروسة، وأصلحت قلاع الثغر السكندري، وحفرت التُرع والمصارف، هتف أهل مصر باسمك، نادوك حاكمهم للأبد، وكنت على بُعد خطوات لتأسيس سلطنة مصرية  مُستقلة تضم الشام والحجاز وتزحف نحو القسطنطينية”

يترك “علي بِك” خيال المُترع بأمواج البحر، ويرمي نفسه متمرِّغا على الرمال، يَمدُّ بصره؛ فيرى بعين خياله الجيوش التي ضمها “أبو الدهب” قادمة لتدفن أحلامه وتقبره معها، أغمض عينيه، واستسلم لأفكاره، مرَّت الأحداث وكأنه ما زال في حُلمه، أصوات الطبيعة تختفي من حوله، وتحل مكانها أصوات المعمعة التي يتساقط فيها رجاله من حوله، السهم يقترب، وجنوده يحمون أستاذهم بكل ما أُوتوا من قوة وشجاعة، لكن السهم نفذ، جروح جسده لا تُحصى، سقط “الكبير” على الرمال، ونزف دمًا غزيرا، وقبل أن يهم بضعة مماليك موتورين أن يُجْهزوا عليه، صاح “أبو الدهب” فيهم “اتركوا أستاذي”، وتوجه إليه ثم ترجَّلَ عن فرسه، قبَّل يده، وضمه إلى صدره، بكى بين يديه، وحمله من تحت إبطه إلى “صيوانه”، رفع “علي بِك” عينيه فرأى لحية تلميذه مخضلةً بالدموع، نادى بصوت غير مسموع:

“هل هُناك تماسيح في هذا البحر؟

“أين البحر يا أستاذ”؟!

“التماسيح هناك في نيل المحروسة؛ تماسيح لا تعرف البكاء يا  مُحمد!”

أمر “أبو الدهب” بنقل الأسد الجريح، إلى مصر، وجلب له كبار الأطباء، حاولوا تطبيبه، ومداواة جروحه، الأهم أن تُنقذ حياته بأي ثمن، كما وصَّاهم البِك، لكنَّ أيامًا ثلاثة كانت كافية ليذهب إلى ربه، جُهِّزت له جنازةٌ تليق بمقام بالأستاذ العظيم، في القرافة أُغلق القبر عليه، وتوالت الدعوات على منابر المساجد للحاكم الجديد “محمد بك أبو الدهب”.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى