مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. أنا أبو الذهب، فلا أُمسك إلا الذهب «7»

أحمد جاد الكريمكتب: أحمد جاد الكريم

 

من مجامر العنبر انبعثت رائحةُ البخور الفوَّاحة، يتصاعد الدخان فوق رؤوس الجمعِ السائر نحو جامع “محمد أبو الدهب” المقابل للجامع الأزهر، الكل يسير بسرعة، بعض الرجال تخلفوا عن اتِّباع الجنازة والبعض الآخر تركوها، وعادوا، لم يستطيعوا تحمُّل رائحة النتن المُنبعثة من النعش الذي يضم ميتا قارب على الأسبوعين ولم يُدفن حتى الآن.

“أنا أبو الذهب، فلا أُمسك إلا الذهب” على مقهى قريب من المشهد الحُسيني، تندر رجلٌ جالس، وهو يلوك هذه العبارة، يرى موكب الجنازة، ينطق في شماتة في حين كان يسحب دخان التُنْبَاك من نرجيلته: – لماذا لا يوزع “الرِّمَّة” بقاشيش الذهب على من يتحمَّلون نَتْنه، وهم يشيعونه إلى جهنم؟! عندما تقلَّد “أبو الدهب” الخازندارية* في عهد “علي بِك الكبير” من شدة فرحه أخذ يلقي على صغار المماليك من حوله قطع الذهب، وكلما سار نثر عليهم قطعًا أُخرى، أكبروا فعله العظيم هذا، وأثنوا على كرمه، وسَعة يده، وأطلقوا عليه من يومها لقب “أبو الدهب”، وكان يقول مزهوًّا ” أنا أبو الذهب، فلا أُمسك إلا الذهب” تستمر الجنازة في السير حتى تقف على أعتاب المسجد، يفرُّ الكارهون للبِك، لا يودُّون الصلاة عليه، ينضمون إلى المقهى الجالس عليه ذلك الشامت، يَكثرُ الشامتون، يضحكون ويسدون فتحات أنوفهم، ويعبق الجو برائحة التُنباك.

بين رائحة العنبر في المسجد، وهتافات الدعاء للبيك، ورائحة دخان المقاهي وضحكات الساخرين، ضم الضريح صاحبه بحُنوٍ. تبدو الحكاية درامية لأبعد مَدى، فـ “أبو الدهب” عندما مات في الشام أشار أصحابه لنقله إلى مصر؛ لأنه لو دُفن في “الشام” سيُنبش حتمًا قبره وسيُمثِّل الشوامُ بجثته وربما يحرقوها؛ لأنه أكثر فيهم القتل، وأباد المئات منهم ولم يرحم كبيرًا أو صغيرًا منهم. ستة عشر يومًا سارت “رِمَّةُ” البِك حتى تصل إلى القاهرة، كان قُد غُسِّل وكُفِّنَ ووُضعَ في المشمَّعات؛ في محاولةٍ لحفظ الجسدِ من التحلل! هل يُدفن في القرافة بجوار أستاذه “علي بِك”؟ كان السؤال مستنكَرًا يجري على الألسنة، استقروا على دفنه في مدرسته الكائنة أمام الجامع الأزهر التي أسسها وجعلها منارة للعلم، وكانت تُحفة معمارية تزهو على كل عمائر العصر العُثماني، وقد وصفها الجبرتي في تاريخه وصفًا دقيقًا. أربعون يومًا كاملة تُوزع الصدقات على الفقراء، وتُتْلى الدعوات في جامع البِك، خُتمَ القرآن عشرات المرات، كان الأمراء المخلصون الذين أمَّرهم وأكرمهم وأجزل لهم العطاء يحفظون وُدَّه، ويبذلون كل غالٍ؛ كي تتنزل الرحمات على الفقيد، وتُمحى من صفحاته تلك الخاتمة السيئة، وكان كلما جلس الصالحون عدَّدُوا ذِكر مناقبه، ومنها أنه كان يُحضر إلي مجلسه علم زمانه شيخ مشايخ الإسلام “علي الصعيدي”، ويستمع إلى نصائحه، وكان يقول الشيخ له “اتق النار، وعذاب جهنم”، وأجلَّه “أبو الدهب” كثيرا وأجاب له كلَّ ما يطلبه للعامة من حاجات يريدون قضاءها، ولما مات البِك كان الشيخ الصعيدي هو الذي يدعو له بنفسه، ويقيم الختمات كل يوم، وينهى عن الشماتة في ميتته تلك.

وفي يوم جلس الشيخ الصعيدي يذكر “أبو الدهب”، فأنار وجهه فابتسامة صافية، مسح علي لحيته البيضاء، وأحنى رقبته، قال لتلامذته الُملتفين حوله في جامع “أبو الدهب”، يسألونه عن حقيقة البِك، وقد أكثر الشامتون في المجالس والمقاهي طعنًا فيه، وتجريحًا في سيرته ووصفوه بالخائن الأكبر: “لم يُشتهر عن البِك شيءٌ من الموبقات والمحرمات ولا ما يشينه في دينه أو يخل بمروءته، بهيُّ الطلعة جميلُ الصورةِ، أبيضُ اللونِ، معتدلُ القامةِ والبدن، مُسترسلُ اللحية، مُهاب الشكل، وقورًا، محتشمًا، قليل الكلام، مُبجلًا في ركوبه وجلوسه، يباشر الأحكام بنفسه، ولولا ما فعله في آخر أيامه من الإسراف في قتل أهل يافا بإشارة من وزرائه لكانت حسناته أكثر من سيئاته” وأتى شهر رجب من السنة نفسها التي مات فيها “أبو الدهب” ليشهد الجامع الأزهر جنازةً مهيبة امتلأ فيها الصحن بالرجال، هذا غير الواقفين أمام الجامع، شُيع جثمان الشيخ الصعيدي؛ ليُدفن في القرافة. ولم تمرُّ بضعة أشهر حتى أُهملت مدرسة “أبو الدهب”، ومنع ما كان يوقف لها، فخربت، حتى بطل الأذان والصلاة، وبلى كلُّ ما فيها غير الذي سُرق من الأبسطة والحُصر، وهجرها طلبةُ العلم والمشايخ، وأُغلقت أبوابها. وظل الصراع بين بَكَوات المماليك على تقلّد إمارة مصر في حين نسي رُوَّاد المقاهي “نُكتة” الذهب التي اتخذوها شماتة في البِك، ونسي طلبة العلم وعلماؤهم مآثره ومدرسته العظيمة أيضًا. * الخازندرية: وزارة المالية حاليًا.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى