مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. مَواجِع آل همَّام «شريفة ابنة شيخ العَرب» «8»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم

في حديقة قصر “همَّام بن يوسف” جلست “شريفة” الابنة الوحيدة لشيخ العرب، وأمها “صالحة، تتأملان في صمت صخب الطبيعة من حولهما، غادر “درويش” إلى القاهرة ولم يعد، وتوقفت خطاباته لهما، ثم جاءهما نبأ موته، لم يحزن عليه أحدٌ ودُفن هناك في مقابر المماليك.

أخذت “شريفة” من أبيها بياضَ وجههِ الحليبيِّ، مع ارتفاعٍ قليلٍ في طرفِ أنفها، وورثت عن أمها عينين كقاربين من عسلٍ يَسْبَحَانِ في بركةِ لبنٍ مُصَفَّى، مع بشرة تكاد تشف عن العروق التي تجري فيها الدماء، أما شعرُها فكانَ أفحمَ من الليلة التي مات فيها أبوها؛ فسبحان مَنْ سَوَّى، وسبحانَ مَنْ صَوَّر.

– الحُزن يا “شريفة” يسكن عينيك.

قالتها “صالحة” لابنتها.

– الحُزن يا أُمُّ يسكن “هوَّارة” كلها.

فكرت “شريفة” في حال “هوَّراة”، الذين نسُوا ماضيهم، وحزنهم. باع بعضهم سيدهم، ولم يعبأ البعض الآخر بما جرى، وجرت آلة النسيان على الباقي، حتى جاء وقت نُسي فيه آل همَّام، لكنَّ مواجعهم لمْ تُنسَ.

تذهب الأم وابنتها إلى قبر “همَّام” في عيدي الفطر والأضحى، يجلسان هناك بضع ساعاتٍ، تخشى “شريفة” أن يأتي يومٌ لا يجد فيه أبوها من يقرأ له الفاتحة، ويؤنس وحشته، وهو وحيدٌ في قبره، بعيدٌ عن ناسه وأهله.

تحكي الأمُ لابنتها حكاية اسمها، وكيف سمَّاها أبوها بهذا الاسم، تقول الأم بصوت هدَّته الشيخوخة، وأتى عليه الزمن وعوائده:

– في إحدى السهرات التي كانَ يُقيمها شيخ العرب في ليالي رمضان كان المُنشد يقصُّ على الربابة قصة أبي زيد الهلالي، وجاء ذكر “خضرة الشريفة”، وحكايتها في بداية السيرة، استبشر “همَّام” بالاسم، ولمعت عيناه، وفي صبيحة اليوم الأول للعيد، انطلقت صرخات من القصر الكبير تلتها زغاريد، رفع همَّام بين يديه طفلته الوليدة، قبَّلها بعدما أذَّن في أذنها اليُمنى وأقام في الأذن اليُسرى، طار يحملها ملفوفة في أقمطة بيضاء نحو منظرته*، كانت الابتسامة تملأ وجهه، وجد رجاله في انتظاره، استقبلوه مُهنئين:

– مبارك، يا شيخ العرب.

– الله يبارك فيكم.
قال كبيرهم:

– لعله الذَّكَر الثالث؟

ردَّ شيخ العرب والابتسامة لا تفارق شفتيه:

– شريفة، هي “شريفة” التي استبشرتُ بها يوم أنشد المنشد “إنِّي سميتها شريفة”، يا عرب.

– “وليس الذكر كالأنثى”

رددها رجلٌ وهو ينصرف، وأتبعه “همَّام” بنظرة عَتَبٍ، وقال:

– “البنت تاج راس أبوها”

وبكت “شريفة” على قبره، عندما سمعت الحكاية، تساقطت دموعها على الرمال. كم كانت تُحب أباها، وكم كان يُحبها!

كل ذكورك يا “همَّام” رحلوا بعيدا عنك، وبقيت “الشريفة”، لزمت أمها بعد موت زوجها وابن عمها يوم حلَّ الخراب بفرشوط على يد المماليك.

أرسلت “شريفة” خطابًا إلى “شاهين” أخيها، عاد خادمها ليُبلغها أنه رفضَ أن يتسلَّم الخطاب، ووعدهم بزيارة قريبة، لكن بعد عودته من القاهرة، كان في شُغلٍ عنهم، وعينه على المشيخة، ولكن الطريق إلى القاهرة طويل جدًا.

لم تيأس أرسلت خطابا آخر إلى “عبد الكريم”؛ الأخ الأصغر في “بهجورة” وكان قد أقام هناك، وبنى بيتًا كبيرًا وعمِل بزراعة أرض الوقف، فأرسل لها ابنه “همَّام”، ولمَّا رأته قادمًا، تذكرت أباها فورا، وكأنه بُعث من جديد، كان يشبهه إلى حدٍ كبيرٍ، شابًا يافعًا يدرس في الأزهر، عندما اجتاز مدخل القصر لم يترَجَّل عن فرسه، اقتربت منه عمته، قالت له:

– إياك أن تنزل، دعني أُمَلِّي عينيَّ من “همَّام” الصغير، وهو ممتطٍ فرسه.

لكن الفتى “همَّام” هبط، وتناول يد عمته وقَبَّلها، نظرت لوجهه، أدامتْ النظر،العينان مثَل عَيني “همَّام” الكبير، الأنفُ أنفُ “همَّام”، الفمَ فمُ “همَّام”، ذلك الفمُ الذي قبلها يوم مولدها، الوجنةُ نفسها وجنةُ “همَّام”، عَلَتْ نظرتها، رأت عمامة جده، شمَّت رائحته تعبق منها، أمسكت دموعها؛ كي لا تحجب رؤيته، كان أحد الرجال الذين تبعوا الجد في رحلته الأخيرة قد أعطاها لأبيه “عبد الكريم”، ولمَّا شبَّ “همَّام” كانت من نصيبه، كما كان من نصيبه أن يحمل اسمه من قبل، ودخل الشاب الأزهر مُعَمَّمًا بعمامةِ جدّه.

مكثَ همَّام الصغير في قصر جَدِّه، صورتان استقرتا في نفسِ “شريفة”؛ صورة أبيها التي لا تُغادر خيالها، وصورة ذلك الماثل دومًا أمامها “همَّام بن عبد الكريم بن همَّام”.

* المَنْظَرةُ: مكانٌ من البيت يُعَدُّ لاستقبال الزائرين.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى