مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. سَاكنُ الجِنانِ «9»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

ساكنُ الجنان، عظيم الشان، بعيد المزار، غوثُ الشريد، ملاذُ الطريد، عاقد المواثيق، المُوفي بالعهود، المُحب المَحبوب، باسط الكفِّ، شامخُ الأنفِ، الوحيد في قبره، المؤتنس بمجده، تاركٌ من خلفه الذكرَ العظيم، الموجوعُ بخيانة القريب، وتملكُ أمره بيد الغريب، مسموعُ الكلمة إذا تكلَّمَ، مُؤلمُ القلوبِ إذا تجهَّمَ، الهَمَّام الهُمام، مغفورُ الذنب، وراقي سُلَّم الفردوس مع الصدِّيقين والشهداء وحَسُن أولئك رفيقًا.

في “المَنظرة” على أريكة من مخملٍ يجلس المُعلم “بولص بن منقريوس” أحد أهم رجال شيخ العرب، أمامه على الأريكة المقابلة يجلس “همَّام” الصغير، وبجوار عمته “شريفة” وجدَّتِه “صالحة”، تلا “بولص” تلك الأوصاف بصوته الضعيف، كان المرض وكبر السن قد أتوا عليه فلم يبق إلا هيكله الخارجي، عظمًا على جلدٍ، وكان حريصًا على زيارة ابنة سيده وزوجته، وإن امتنع عن السفر لزيارة قبر “همَّام” خاصة بعدما أحنت السنوات ظهره.

تمتع “بولص” بذاكرة قوية لم تخترمها الشيخوخة، فكان يحفظ المعاهدات التي أبرمها شيخ العرب مع أمراء المماليك والمُلتزمين، وحُجج التنازل عن الأراضي التي التزمها، كانت أشياء مهمة، دعتْ “همَّام” الحفيد يطلب منه أن يُمليه تلك الأحداث، وهو يكتبها، إلى أن وصل في ليلة إلى اليوم الذي انطمس فيه نجم شيخ العرب، وكيف مات مقهورًا كما قيل،  لكن “بولص” ترجَّاه أن يُؤجل الحديث إلى حين؛ فتلك حوادث مهيِّجة لأحزان النفس المُستترة، تنشق الذكريات من قبورها، وتخرُّ جبال الصبر مدكوكة، لاحظ “همَّام” أن لغةَ الرجل عربية فصيحة، جزلة؛ فقد كان يحفظ  الأناجيل الأربعة، وأجزاءً من القرآن، غير إجادته لعلوم الحساب، والإدارة؛ ولذا كان أمهر العاملين في دولة شيخ العرب.

يصحب “بولص” “همَّام” في زيارته للقاهرة؛ ليبحثوا في أمر عمه “شاهين”، رأوا أن يسافروا عبر النيل؛ لأن “بولص” لا يتحمل ركوب فرس أو جَمَل طيلة الطريق البريِّ من “فرشوط” للقاهرة.

سارت “شريفة” في موكب صغير يضم المسافرين وبعض الخدم، أصرَّت على إيصالهما إلى حيث ترسوا القوراب على النيل، ساروا ناحية الغرب بضعة كيلومترات، لم تكن المسافة بعيدة، الطريق معبَّدٌ، تُظلله الأشجار، وتمتد المساحات الخضراء فلا يُحدُّها بصرٌ، ولا يحجبها تلٌ أو جبل، يُشير “بولص” الذي ركب فرسًا أشهبا إلى تلك الأراضي، ويقول لهمَّام:

– كل ما تسقط عليه عينك كان ملكًا لجدك، وسأريك أملاكه حتى نصل للمنيا.

يبتسم “همَّام” دون أن يتكلم، وتنظر له “شريفة” في حنو، تتوسم فيه النجابة، عيناه تَشُعُّ ذكاء وعبقرية، تودُّ لو تناديه “شيخ العرب”؛ لكنها تنتظر قدوم “شاهين”، ترجو من الله أن يوفقهما في إقناعه بالعودة إلى “فرشوط” وتولي المشيخة ووقف الصراع الدائر بين عمه الهَرم “إسماعيل” وأهل هوَّارة. “بولص” سيذكره بمجد أبيه وما كان له من تبجيل وتوقير في حياته، و”همَّام” اسمه فقط سيبعث فيه الحنين إلى بلده، فما الحال إذا نظر إلى وجهه.

تَعْلمُ أن “شاهين” أكثر جُرأة وحكمة من “درويش”، ويستطيع أن يسوس الأمور رغم أنه أصغر منه، أما “عبد الكريم” فقد خُلق للزرع والقلع والفلاحة ولا أمل في أن يُلقي بنفسه في أتون النار المشتعلة دائما.

مسيرة يومٍ كاملٍ تستغرقها الرحلة النيلية بالقارب للوصول إلى جرجا قليلًا، ثم يواصلون السير شمالا حيث طهطا، يقيمون هناك بضعة أيام لحاجة يكُنُّها “همَّام” في نفسه.
وضع “همَّام” خُطة الرحلة، وكان “بولص” والخادمان اللذان سيصحباهما يُومِئون برؤوسهم، أخرجت “شريفة” أكياسًا من النقود ووزعتها كلها عليهم حتى الخَادمَين حصلا على نصيبهما، عندما قال لها “همَّام”: إن ما معه من النقود والزاد يكفيهم، ردت قائلة: إن السفر طويل جدًا نحو القاهرة، والمال الوفير أمانٌ لهما، كان الخادمان مُسلحين بغدَّارتين وخناجر مدسوسة في ملابسهما، اختارت شريفة من يستطيع حماية المسافرَين، كان “همَّام” يرى كل ذلك ويبتسم، ويُكبر فعلها دائما، ناداها قبل ركوبه القارب بـ “شيخة العرب” ومال على يدها قبلها، قالت له ناصحة:

– إياكَ أنْ تنسى مجد جَدِّك يا همَّام، أنت هوَّاري شريف، لا تركن إلى القاهرة كثيرًا، ولا إلى أهلها، هي بلدٌ قميئة، دسائسُ الأمراء تبزغ فيها كالشمس في وضح النهار، الخناجر المسمومة تسعى كالحيَّات في قلب النخيلِ، والخيانة نقيق ضفادع لا ينقطع في ليلةٍ صيفيةٍ ساكنة النسمات.

ورحل القارب شمالا، وأحست “شريفة” بالوحشة، ونادت أباها وزوجها، ولمَّا لم يجبها أحد جلست تحت ظل شجرة، ترقب القوارب تمر من أمامها، كان الأمل في القادم يمنع الدموع من الانفلات.

 

 

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى