مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. الصَّبر يا همَّام  «10»

 

كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

شروخ في النفوس، شروخ في البيوت، شروخ في المساجد والتكايا، تبدو جرجا في عصر ما بعد الازدهار، بعد زحف المماليك لكسر دولة شيخ العرب كمدينة خارجة من ويلات الحروب توًا، رغم مرور سنوات طويلة على ذلك الخراب الذي عم أرجاءها، كانت جرجا أولى الأهداف، من يملكها يملك الصعيد، ويضع مَلِكَه بين فكَّي قِرشٍ، دهست سنابك المماليك وهي متجهة للجنوب القرى والنجوع والكفور، وكان تحطيم ولاية “جرجا” هو الأهم، نكلوا بأهلها، وثأروا حتى من حوائط البيوت وفساقي الموتى، وحجرات الطلبة في الجوامع، جرَّفوا الأرض الموقوفة على تعليمهم، وأتوا على المخابز والحوانيت فنهبوها.
وقف “همَّام” و”بولص” يقلبان البصر في البنايات العتيقة والتي لم تنلها يد الخراب، قال بولص: ” في أيامِ عِز جدك بمجرد دخولي المدينة كانت تلتف حولي العامة الكل يسلم عليَّ ويبلغني السلام لشيخ العرب، كنت أسير حتى قصر “صالح بك” وكأني في موكب، وفي المرة التي زار فيها جدك “صالح بك” كان يوم عيد لم تتوقف الاحتفالات والمِهرجانات،عُلِّقت الزينة، ونُصبت الصيوانات لإطعام الفقراء، في هذا اليوم حتى الطير بات شبعانَ.

أخذ الرجلان يسيران وبجوارهما الخادمان يسيران يحملان زادهما وحاجياتهما، وصلا إلى جامع مرتفع عن الأرض، بعدة أمتار، تحته تتراص الحوانيت ودكاكين بيع العطور والفاكهة، والتمور المُجفَّفَة، تجاوزا الجامع إلى أسواق المدينة، ولاحظ “همَّام” أن هناك حوانيت لبيع الخمور يملكها نصارى جرجا  بجوارها الحمَّامات، وأشهرها حمام علي بك الفقاري، لما شعر “بولص” بالإعياء اقترح “همَّام” أن يجلسا على مقهىً قريب من الحمَّام ذهبا أولا إلى الحمام، أزالا وعثاء السفر، ونظفا جسديهما، لبسا ملابس جديدة اشتراها من السوق، على المقهى كان “همَّام” لا يكف عن التجول بعينيه ليحيط بكل الأماكن، عادة عنده أن يطلق بصره شغوفا بالأماكن التي يزورها لأول مرَّة، مال “بولص” على رجل يجلس بجوارهما في المقهى، سأله عن مرقد القَصْوَاء، تعجب “همَّام” عند سماعه هذا الاسم، أجاب الرجل: إنه على بعد خطوات من هنا، قبل أن يسأل “همام” “بولص” عن حكاية مرقد القصواء، سحبه الأخير من يده وسارا إلى حيث أخبره الرجل، عندما وصلا وجدا مكانا محوطا بجدرانٍ من حجارة جيرية بيضاء، قال له “بولص”: إن هذا المكان مدفون فيه ناقة لشيخ العرب كان قد أرسلها هدية لصالح بك لكنها ماتت بعد فترة وإكراما للهدية وصاحبها أقام لها مرقدا وشاهد قبر، ومن شدة إعجاب الناس بما فعله صالح بك، أطلقوا عليها اسم القَصْوَاء، وهو اسم ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، تبجيلا لها، ولأول ناقة يُصنع لها مرقد، مكتوب على الشاهد اسم الناقة وتاريخ وفاتها وفي الأسفل مكتوب بيت من الشعر القديم:
ألستم خيرَ من ركب للمطايا   …  وأندى العالمين بطونَ راحِ.
قال “همَّام”: ” يا عم “بولص” لا نريد المكوث طويلا في جرجا، أعلم أنك تُحبها وأنها أحبُّ بلاد الله إلى قلبك بعد “فرشوط”، لكني أود أن نُعجل المسير إلى “طهطا” لشأن سوف تعرفه، وأريدك أن تكون شاهدًا عليه، ردَّ العجوز بأنه لم يتبق سوى زيارة آل صالح بك وبعدها سنواصل الرحلة.
الصبرُ يا همَّام، الرحلة طويلة جدًا.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى