مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. زمان الخَرَس «15»

 

لم يعلم الفتى الهواري أن الهوى سيربط على قلبه بين صخور المقطم، في بقعة نائية، مدسوسة في حنايا الجبل، هنا جلس الوليُّ، هنا تأمل، وهنا تدَّلى من غسل قلبه بنور الرحمن.

أيام كانت القاهرة تمنح لحُكَّامها فُرصة للتأمل والتفكير، لم يكن المماليك قد وُلدوا بعد، ولا حتى تخلَّقوا في الأرحام، كان زمان الأيوبيين بلا منازع، ضرب صلاح الدين قبُة الحكم، ونصب أعمدة راسخة، نظر إلى الشرق، وإلى الغرب، إمبراطورية عظيمة تمتد بطول خياله العصيِّ على الكوابح التي تمنعه من السقوط في فخاخ الوهم، حلم يومًا أن يجلس على كرسي الخليفة العباسي، على أن يكون المقر في القاهرة، يصير الأزهر هو رابع الحرمين، وجامعة الدنيا، وتصير القلعة المزمع تشييدها هي الحصن الذي يتكسر على أساوره أكاسرةُ العالم، بسيفه البتَّار جزَّ رقاب الشيعة الفاطميين، علقهم على بوابات القاهرة،  كانت الدماء تملأ كل ركن في عاصمة القُطر، شيدها أصحابها ثم سَقَوا أرضها بدمائهم، في الليل تصرخ النساء، أشباح الفاطميين تمرح في الحارات الضيقة، الأشباح نفسها فُزِّعتْ بعدما نُبشت قبورهم، أين تذهب هذه الأرواح الهائمة بلا قبر يضمُّ؟!
كلَّفَ المظفرُ الأيوبيُّ عسكرًا كي يكبسوا الحارات بالليل يذبحوا أي امرأة تُطلق صرخة من فمها، وبدلا من مطاردتهم صرخات النساء في الدروب كانوا يتتبعون خطى كل همسٍ أو حركة يغلب عليهم الظنُّ أنها لشبحٍ، قتَّلوا الكثير بحجتهم هذه، ويوما استيقظت المدينة على عشرات الجثث لكلاب ميتة وقطط مذبوحة، كان العسكر قد سكروا وملوا مرأى أجساد البشر الميتة فجربوا قتل الحيوانات.
“- إذا نبح كلب فاقتلوه، ولو ماءت قطة اذبحوها فورًا”
هكذا بلهجة جادةٍ كان يوجه كبير الشرطة الحديث لعساكره.
– “وإذا تنفس بشري

– “أزهقوا روحه”
– “ولو تكلم”
مغتاظًا جرد كبير الشرطة خنجرًا كان بجنبه مستترًا، مَدَّ يدًا وأخرج لسان السائل، وباليد الأخرى المُمْسِكة بالخنجر قطع اللسان.
كان الجواب حازمًا.

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريمأحمد

قاهرة الصمت والقهر، ما إن يهجم الليل على سمائها حتى تُسدُّ أبوابُ الحاراتِ بالمغاليق، وينتشر العَسسُ في كل مكان، تذكر الناس أيام الحاكم بأمر الله، وترحموا عليه، أين ذهب ذلك الأخرق؟ ليدعهم في قبضة ذلك الكردي الغاشم؟!
بعد انتهاء صلاة الجمعة، أسفل باب زويلة وقف نفرٌ من الناس، يتفرجون على رجلٍ يُخرج من جوال، مغطى جسده كله بذرات الدقيق الناعمة، حلَّ الجنود وثاقه، عَرُّوا ظهره ومؤخرته، ضربوه على ظهره، وتركوا المؤخرة لعبث الأطفال، لما سال دمه، وُضعت الخيَّةُ حول رقبته، وتدلَّى بعد لحظات جسده مختلطا بدماء ودقيق، بعد صلاة العصر كانت طبقة قد تكونت على جسده سترت عُريه، عندما انتهى الجنود من صلاتهم، حملوه في الجوال نفسه الذي جاء موثوقا بداخله، رموه في أنتن قرافة، بلا غسل ولا تكفين مكتفين بسِتر الجوال!
ينزل ابن الفارض من واديه ومعتكفه، يرى الناس وقد تبدلت أحوالهم، هذا زمان الخَرَس، انطِقْ يا بن القاضي العادل، انطِقْ يا ابن الفارض، كُفَّ الظلمَ ولو بكلمةٍ، لم تحركه الدماء الجارية، فكيف تُحركه بضعُ كلماتٍ ينطقها العامةُ في الأسواق؟!
كان الوليُّ ذاهلا عما يجري، عيناه مُصوبتانِ إلى السماءِ، يهذي بشِعره في الطرقاتِ ويجدُ من يكتبُ عنه.
“اُهْجُهم ولو ببيتٍ واحدٍ”
وكان ابن سيد الناسِ في مَعزلٍ عن السياسة والرياسة.

وهناك وقف أمام الجامع الأزهر، كان مُغلقا بأمر من الوالي، دار حوله، وذهب لبيته، طلب من القائم على أمواله أنْ يبدأ فورًا  ببناء مسجده الكاين الآن في سفح المقطم في وادي المستضعفين، وتم له الأمر بعد بضعة شهور، ترك الناس الشكوى واجتمعوا في مسجده، كان البناء متواضعًا، بُني خصيصا ليأوي شخصًا واحدًا، لكنْ المريدون، تزاحموا وسلكوا الدروب الوعرة زاحفين بين صخور الجبل العتيق، حتى وصلوا إليه، في أزمنة العجز لا ملجأ إلا إلى السماء، لبسوا الخرق، وأطالوا اللحى الشعثة دون تهذيب، تحملوا لهيب الشمس، تعطنت ملابسهم برائحة العرق، ناموا على رمال باحة المسجد الناعمة، كان طعامهم مكون من قطع الخبز اليابس، والتمر المجفف، وتكفل رجل بحمل القِرب مملوءة بالماء من بحر النيل ليشرب المريدون، لكن الوليُّ قلل الطعام، ولم يقرب الماء إلا نادرًا، كان الطريق الذي يسلكه يصعد به إلى معارج السماء في الوقت نفسه الذي تصعد فيه عساكر الحاكم إلى خدِّ الجبل لتئد الفتنة قبل اشتعالها!

 

كاتب مصري

«المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة موقع كتب وكتاب»

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى