مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. الإشراق «18»

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

 

 

 

أمام ضريح سلطان العاشقين قرأتْ فاطمة الفاتحة ثلاث مرات، ابتعد “همَّام” قليلا وتجول في المسجد، كان يتتبع بأنفه رائحة الوليِّ، حتما كان يجلس في مكان ما هنا، ويُطيل الجلوس، المسجد خالٍ من الزوَّار في ذلك الوقت إلا من رجلٍ يقيم فيه، شيخ طاعن في السن، يمكث النهار كله في تأمل ثم يخرج يمرر بصره على صخور المُقطم. صلى الشيخ إسماعيل إمامًا، بجواره تلميذه، ومن خلفهما تقف الابنة، عندما انتهيا من الصلاة، قال “همَّام”: إن ابن الفارض ترك واديه هذا عندما لم يحس بوطأة التجلي الحقيقي، ويُقال إن بابًا فُتح له فعرج إلى السماء، ومنها إلى مكة ثم عاد ليسكن هذا الضريح.

بعد خمس عشرة سنة،أتاه نداء خفيٌ في جنح الليل من شيخه أبي الحسن البقَّال، أن يقدم مصر ولا يُطيل المكوث في مكة: – يا بن الفارض تعال إلى مصر، احضر وفاتي، وصَلِّ عليَّ. آخر عامين قضاهما في قاهرة الملك الكامل، كان صلاح الدين قد رحل عن الدنيا ووُري ثراه في دمشق، في نهاية حياته أرسل له الملك الكامل أن يقيم له ضريحا عند قبة الإمام الشافعي، لكنَّ عينيه كانتا مصوبتين نحو سفح الجبل، فرفض والتزم الخطابة في الأزهر، ثم صعد إلى المقطم مع تلميذ له يراجع قصائده التي بلغتْ أبياتها إلى ألف وثمانمائة وخمسين بيتًا من الشعر، نُسخت عدة نسخ، وحُفظت في مطويات، وكانت الطلبة تتناوب حفظها في باحة الجامع الأزهر، إلى الحد الذي يجعل الطالب ما أن يُتم حفظ تلك الأبيات حتى تراه بين ثنايا المقطم هاربا من جحيم القاهرة الذي كان قد هدأ نسبيا أيام الملك الكامل إلا أن العزلة والوحشة كانتا ساكنتين في طيَّات أبياته ما إن تُقرأ حتى يحن القارئ إلى صخور المقطم. أسفل صخرة كبيرة جلست فاطمة، الصخرة تضم الجالس وتظلل عليه، تمنت أن تقيم هنا، ويكون لها مسجد وضريح، تذكرت ما كان يقوله لها أبوها “نفيسة العلم”، أجالت خاطرها في أضرحة النساء في القاهرة، يمكن أن يكوم سفح المقطم أفضل مكان، نظرت لهمام الذي يتأبط زراع أبيها، وسألته عن السُهْرورْدي وقصة قتله على يد صلاح الدين الأيوبي، لكنه نظر إلى أبيها، وقال لها لا أتكلم في حضرة شيخي، وفهم أنها تود مبادلة الحديث معه، وآنس منها ميْلًا، فطأطأ الرأس وأخذ يعبث بعصا في يده بالرمال. في مكةَ كان اللقاء، ابن الفارض والسُهروردي الذي قلب حياة ابن الفارض، الحجاز بعيدة عن صراع الحكم، مستقرة وآمنة في معية الله الذي يحفظها من كل شرور الحكم وفِتَنِه، لكن ابن صلاح الدين تعلق بالفيلسوف المتصوف، في دمشق كان اللقاء، وسار ابن الملك متبعا خطى الوليُّ، لكن الوشاة وأرباب النفاق، نفثوا في أذن الملك أن ابنه يسير في طريق التشيع والهرطقة على يد هذا الولي، كانت التهمة جاهزة، وبلا محاكمة ولا قاضٍ نفذ حكم الإعدام في شيخ الإشراق وأطيح برأسه، بعدها أُلقي الجسد ليحترق في النار. قالت فاطمة: هذه مثل طرق القتل والتعذيب التي يتبعها المماليك. فقال لها الشيخ إسماعيل: لا يوجد مثل المماليك في قسوة طرق التعذيب والقتل ثم امتعض وجهه، وقال: ونحن في حضرة مولانا، دعكم من الحديث عن القتل والتعذيب، أسمعينا يا فاطمة شيئا من تائيته. ونظرت فاطمة للسماء وأخرجت منديلا ومسحت حبات اللؤلؤ المنثور على جبهتها، وسمع “همَّام” ما سمع، وأغمض عينيه، ومن داخله انطلق صوت هامس “ما كذب الفؤاد ما رأى”.

وكلُّ الليالي ليلةُ القدر إن دنتْ

كما كلُّ أيَّام اللِّقا يومُ جُمعـــــــةِ

وسَعْيِى لها حجٌّ به كلُّ وقفــــــةِ

على بابها قد عادلتْ كلَّ وقفةِ

وأيُّ بلاد الله حلَّتْ بها فمــــــا،

أراها، وفي عيني حَلَتْ، غيرَ مكةِ

وأيُّ مكانٍ ضمها حرمٌ كــــــــــــــــــذا

أرى كلَّ دار أوطنتْ دارَ هِجـــــــرةِ

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى