مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. يا خَفِيَّ الألطافِ «19»

 

 

أحمد جاد الكريم
أحمد جاد الكريم

توالت الفرمانات العثمانية والمنشورات على أهالي الصعيد بضرورة محاربة أولاد فرنسا، ولابد لهم أن يضعوا أيديهم في أيدي المماليك لتهلك العُصبة الفرنسية.
لا يدري القائد الفرنسي كيف تسللت تلك المنشورات ووصلت إلى الأهالي وتُليت في المساجد والمقاهي، فأصدر قرارًا بغلق المقاهي، ولا يجتمع المصلون بعد انتهاء فريضة الصلاة، وأي تجمع للأهالي يُكبس عليهم من العسكر، ويُقبض عليهم.
كان  الفرنسيون قد وجدوا في أرض جرجا الخصيبة مرتعا للإقامة والتزود من خيراتها، وتموين الجيش بكل المؤن، ضاعف القائد السعر ليرضي الأهالي، ودخل المسجد وصلى معهم صلاة الجمعة في جمعٍ من جنوده.

بعد الصلاة مباشرة داهمت الكتيبةَ الفرنسية قواتٌ من المماليك بقيادة “شاهين بن همَّام” واستطاعوا قتل الكثير منهم، وسرقة كثيرٍ من المؤن وحرق عدة سفن راسية في بحر النيل.
يتمتم بولص في عجب موجها الكلام إلى “همام” ها هو عمك قد عاد يضرب من جديد وقد أسعفه مراد بك بمَدَدٍ من القوات والأسلحة، وهيَّج عربان قبائل الحجاز فعبروا البحر الأحمر وساندوا المماليك، كانت قوات عرب القبائل تزحف كالجراد لنصرة الإسلام، ولدحر راية الكفر التي يرفعها بونابرته وقواده، خشوا أن يصل في يوم إلى مكة ويهدد البيت الحرام، الثقة عادت لشاهين فكان يضرب بقوة، لم يُرد أن يُجهز على الفرنسيين؛ لأنه لا يريد أن يستفزهم ويستشيط غضبهم، فتصل الإمدادات من القاهرة لتطحن قواته، لكنه استطاع أن يسرق عدة مدافع، وهرب إلى الجبال الغريبة خلف برديس، مدسوسا في كهوفها.
وقف القائد ديزيه وسط الميدان الكبير الموجود في ضريح ناقة  شيخ العرب همام، أشعل نارًا عظيمة أتت على الضريح، وسط بكاء “همَّام” و”بولص” على المشهد الوحيد الدال على الجد العظيم، علَّقَ القائد على المشنقة عددًا من المماليك الذين أُسروا في الهجوم الأخير، بعدما تدلت أجسادهم أُطلق عليهم البارود، وطِيف بهم  في شوارع المدينة على عربة تجرها الحمير ليراها الجميع، ارتجف “همَّام”، وقال لبولص:

أخشى أن يكون من بينهم عمي شاهين.
فرد بولص مهدئا له:

شاهين قائد، والقواد نادرُا ما يموتون في المعركة، الجنود للمحرقة، والمجد للكبار.

أدرك القائد الفرنسي أن قوة المماليك كبيرة ولا يستطيع بكتيبته التي تناقص عددها بعد الكَسرة الأخيرة الدخول مرة أخرى في مواجهة معهم، وأرسل إلى نابليون في القاهرة رسالة يُخبره فيها أن “مُراد بك” هو سيد الصعيد الآن، وله أعوان من الأهالي والعَرب، وفي الوقت الذي نظن أنه في الفيوم نجد يضرب بذَنَبِهِ كالعقرب جنودنا في جرجا، لا نستطيع الإبحار جنوبا، ولا العودة للشمال، إن لم ترسل لنا الإمدادات في بحر يومين فستهلك هذه الطائفة الموجودة هنا، وأوصيك أن تُرسل لنا نفَرًا من مشايخ الأزهر وفقهائه ممن يدينون بالولاء لنا، ويكرهون المماليك، يأتون هنا يلهبون الأهالي بخطب رنانة في المساجد، ويدعون لنصرتنا وتأيدنا.
قبل أن يفض نابليون رسالة ديزيه قائد حملته في الصعيد، كانت الأهالي المتذمرة تقف في الميدان الكبير، وتحت أقدامها الرماد الذي خلفته النار التي أوقدها “ديزيه” أمسِ، أخذوا يهتفون وفي أيديهم النبابيت والشوم، وأدوات الفلاحة، والبعض مسلح ببنادق وغدارات بدائية.
انطلقت مجموعة من الخيالة الفرنسيين وحاصروا الميدان، وصوبوا بنادقهم تجاه الأهالي، بعد لحظات وصلت الأنباء بقتل كل جنود الحامية المتمركزة على شط بحر النيل، على يد مماليك “شاهين”، الذين دخلوا المدينة وأمطروا الفرنسيين بوابل من الرصاص.
همام وبولص يجريان بعيدا عن الميدان في حراسة الخادمين، المعركة الآن بين ثلاثة قوى، وسيهلك في المعمعة كثيرٌ من الأهالي غير المسلحين.
يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى