مقالات

أحمد جاد الكريم يكتب: مُدوَّنات الجبرتي .. قاهرة البَكَوَات والنِّسيان «6»

 كتب: أحمد جاد الكريم

 

أحمد جاد الكريم

استطاع “درويش” أنْ يجمع كلمة “هوَّارة” لأول مرة؛ ليساعد “محمد بِك أبو الدهب” صديقه للقضاء على “علي بِك”، وتم لهم ذلك، لكن بقاء “درويش” في “هوَّارة” شيخًا لها كان أمرًا مستحيلا؛ إذ ثبت أنه لا يستطيع أن يسوس الناس مثل أبيه. القاهرة الآن قاهرة البِك “أبو الدهب”، بعد انزياح “علي بِك” وموته متأثرًا بجراحه، بعد معركة طاحنة عند الصالحية بدمشق، كان النصر حليفًا فيها للتلميذ، الذي خان أستاذه، عادةٌ عند المماليك لم يحيدوا عنها، كان ذلك عام 1773م أي بعد وفاة شيخ العرب همَّام” بأربع سنوات، ظلَّ الصعايدة يحسبون ميقات كل شيء بموت كبيرهم، وكأن يوم موته صار تقويما جديدًا. يشم “درويش” رائحة الخيانة في كل مكان، يخشى ألا يموت على فراشه، ما من مملوك إلا ومات مضروبا بسيف أو موقوصًا من فوق فرسه أو أُصيب بطلقة غدَّارة تُرديه قتيلا في الحال. قبل مغيب شمس أول يوم في رمضان يتجول في حي الغورية، يطالع قصر الغوري ومسجده، يتساءل في نفسه، أين دُفن “قنصوه الغوري” بعد كَسْرته في مرج دابق؟، قالوا إنه دُفن في بطون سباع الصحراء، “همَّام” أيضًا مات بعيدا عن مرقده الذي أعده لنفسه؛ لحُسن الطالع وجدا قبرًا يلم عظامه ويحفظها من أنياب البشر قبل الحيوان. يمر على باب زويلة يتذكر كلَّ من عُلِّق عليه، لو غدر به “أبو الدهب” أو تعكر مزاجه؛ لأصبح مصيره مشنقة “زويلة الشهيرة. قُرب آذان المغرب يتأهب لدخول مسجد المؤيد شيخ، ما من أحد يلتفت إليه أو يتهامس، وهو ينظر إليه، كما فعلوا في زيارته الأولى، لم يعقد أحدٌ المقارنة بين الأب والابن، يبدو أن القاهريين نسوا “شيخ العرب همَّام” ونسله، ولم يعودوا يعبؤون بعده بزعيم آخر للصعيد يجري ذكره على ألسنتهم لسنوات. “هل ينطفئ ذكر الهمَّامية” إلى الأبد؟، لم يكن يتوقع “درويش” أن ذاكرة المصري ضعيفة لهذه الدرجة، تخلَّى عن لهجته الصعيدية، فكر أيضًا في تغيير لباسه ليبدو كأحد المماليك، ما من شيء عاد ليربطه بماضيه، ضاع مُلك “هوَّارة” وفقد هو المشيخة، وقناطير الأموال التي لا تُعد ولا تُحد، وها هو الآن يسير مثل أي رجل من الآحاد، يمكن لأي قاطع طريق أن يسلبه ما يملك إذا كان يملك شيئا من الأساس سوى اسمه الذي ينتهي إلى نبي الإسلام محمد بن عبد الله. بين الصفوف وقف ليُصلي المغرب في الركعة الأولى قرأ الإمام بعد الفاتحة قوله تعالى” وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ” لم يجد “درويش” دمعًا في عينيه، “مضى زمن البكاء يا درويش، وجاء أوان الحسرة” أمام القلعة بعد صلاة العشاء يجتمع نفرٌ من الناس، في ميدان “الرميلة” (ميدان القلعة حاليًا) الحافل بزينة عظيمة في ليالي رمضان، اتَّقدت القناديل والشموع بالأسواق وسائر الجهات، الكل يهتفون لمليكهم الجديد، “ترنُّ كلمة “أبو الدهب” مرات ومرات في أذنه، هل هؤلاء أنفسهم الذين هتفوا من قبل لـ “علي بِك الكبير” ثُمَّ ساروا في جنازته يشيعونه، وهو متجهٌ نحو القرافة ليلقى هناك ربه؟ سبحان من يرث الأرض ومن عليها. بعد عامين بالضبط، تحديدًا في عام 1775م، اعترفت السلطنة العثمانية بنيابة “أبو الدهب” على مصر والشام، رقص قلبه فرحًا وكانت الاحتفالات تُعد في شوارع المحروسة، في الليلة نفسها حُمَّ، واستمرَّ يتقلب على فراشه ثلاثة أيامٍ حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، والطبول خارج قصره تضرب ويهتف الناس بعظمته. يسحب “درويش” نفسه ويتجه إلى حيث لا يدري، هل إلى الجنوب حيث أهله الكارهون له، القاهرة صارت قفصًا كبيرا من ذهب، لا يعرف من سيأتي بعد “أبو الدهب”، في خاطره “مقصلة زويلة”، يود أن يموت على فراشه ويُدفن في بلده، لكن الأماني لا تُحقَّق في ذلك الزمان الضنين، اتجه للصحراء دون رفيق سوى زادٍ يكفيه بضعة أيام، خلَّف وراءه كل شيء، ولم يعد يسمع إلا صوتًا يأتيه من قلب السماء، صوتًا نديًا يُشبه صوتَ ذلك الرجل العجوز الذي يداوم الذهاب إلى قبر “همَّام”، يقرأ هناك الفاتحة ويُردد آيات كتاب الله. غابت شمس أول ليلة في صحراء التيه، الآن يا “درويش”، يعود إلي عينيك دمعُك، تتكشف لك أنوار الحقيقة، صرتَ درويشًا كاسمك؛ درويشًا بلا مُريدين ولا أتباع، ولا مُحبين، يسمع آيات الله تُتْلى بصوتٍ قادمٍ من أعماقه: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى