مقالات

عمرو العادلي يكتب: احنا آسفين يا دوستويفسكي

بعض الكتاب يقعون في مطب المبالغة حول قراءتهم لأعمال بعينها، فعندما تسأل الكاتب: هل قرأت موبي ديك؟ لا يفكر في الإجابة، فهي حاضرة: بالطبع، ثم يستفيض في شرح العمل المذكور، يعرض لك شخصياته بمنتهى الإخلاص، وقد كنتُ حتى وقت قريب أُخدع في مثل هذه الإجابات والشروح، وذلك قبل أن أكتشف أنها مجرد قراءات نقدية مبسطة حول العمل.

ولكن يبقى دوستويفسكي هو أكثر من ظلِم في ادعاء القراءة، فروايات الرجل يتم نشرها على صفحات كُتاب لم يسمع بهم أحد على أنها من بعض ما قرأوا، وإذا كان هذا الكاتب الفذ من بعض ما قرأوا كما يزعمون، فهل لا يترك في كتاباتهم أثرا؟ هل يمكن لشخص متوسط الموهبة ألا يتأثر بهذا الحكاء العظيم؟ كل ما يمكن أن ينعم به هؤلاء الكُتاب الطيبون؛ صورة بجوار رصة كتب تفوقهم طولا، ثم ينشرونها ويقولون بقلب مطمئن أن رسائلها الأدبية وصلت إليهم منذ نعومة أظفارهم، وأحيانا يفضلون أن تُلتقط لهم الصور بجوار طبعات غالية مثل طبعات المدى ودار الآداب ورياض الريس، ولا يفضلون أن تُلتقَط الصورة مع إصدار للهيئة العامة لقصور الثقافة أو مكتبة الأسرة، وهذه نزعة أخرى برجوازية ومظهرية لا تُضيف للكاتب إلا بعض الـبرستيج” الزائف الذي سرعان ما يزول، ويعود الكاتب بعد ذلك لقراءاته الحقيقية السهلة.

عمرو العادلي
عمرو العادلي

ولا أعلم لماذا يعتقد هذا النوع من الكتاب بأن ذلك سيزيد من أهميته؟ على العكس من ذلك، فقد اشترى صديق لي رواية موبي ديك وظلت في مكتبتي طيلة ستة أعوام، كلما حاولتُ قراءتها أتعثر في الصفحات العشر الأولى، ثم قررت أن أخوض هذه التجربة وأقرأ موبي ديك، وقد كان. ووجدت متعتي الحقيقية في هذا العالم الغريب، البحر والحيتان وآخاب. ووجدت أن الرواية الحقيقية لا تُقاس بما قرأت من صفحات، ولكن بما سَرقتَ من صفحات، أي الصفحات التي خدعتك بجديتها أو بلهوها حتى أجبرتك على القراءة مرغما.

ما ذكرني بهذا الموقف كان ما قاله لي شخص يقول أن له رواية تحت الطبع، قال لي بأنه قرأ نجيب محفوظ ودوستويفسكي، من الجلدة إلى الجلدة، فسألته سؤال عن رواية الجريمة والعقاب، قلت له من هم أبطال الرواية، فقال بطلاقة أنهما راسكولينيكوف والمرابية، وكانت إجابته صحيحة إلى حد ما، ولكن ثرثرته حول نفس الموضوع هي التي فضحت أمره، قال: رواية ألف صفحة نصفها يتكلم عن الجريمة والنصف الآخر يتكلم عن العقاب.. وهنا، لم أرد عليه، فقد كانت الرواية حوالي ألف صفحة، ولكن الجريمة المحورية والعقدة الرئيسية وهي قتل راسكولينيكوف للمرابية وقريبتها لم يتعدى في الرواية ثلاث صفحات.

السؤال، ما الذي يجبر كاتب يبحث عن الحقيقة على ادعاء أشياء لم تحدث؟

احنا آسفين يا دوستويفسكي.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى