مقالات

نشوى عريان تكتب: ثورة التصحيح الأدبى

أظن لو أن نجيب محفوظ شخصيًا كان يعيش بيننا هذه الأيام لم يكن ليحمل لواء ما يُسميه البعض بتصحيح الأدب أو التصحيح الأدبى  ليس فقط لأنه ليس لديه وقت لهذه المهاترات, وإنما أيضا لعدة أسباب أخرى أولها وأهمها أن الأدب فن وليس علم وعلى هذا فإن معيار الحكم عليه لا يكون عن طريق الصح أو الخطأ أى ليس هناك أدبًا صحيحًا وأدبًا خاطئا, كمعيار الحكم على العلوم فالعلوم فقط هى التى تخضع لقوانين تثبت خطأها من صحتها, أما الفنون فقوانين الحكم عليها مختلفة لأنها تخضع لذوق المتلقى وحسه ورؤيته للجمال والأذواق مختلفة والجمال نسبى أى أن ما يعجبك قد لا يعجبنى وما تراه رائعا قد أراه رديئا , وعلى هذا فانه ليس هناك من معيار أو مقياس للحكم عما إذا كان هذا الفن جيدًا ويستحق الاعجاب أو ردئ و سيء, إلا شيئا  واحدا فقط, إنه “الزمن”  الزمن وحده هو القادر على غربلة الأعمال الجيدة ,فالعمل الجيد سيظل يعافر ويحفر لنفسه مكانا حتى ولو كان منغمسا وسط النفايات الأدبية ,ستنبت للعمل الجيد يدان يتشبث بهما بالأرض ويظل يحفر ويحفر ليرتفع فوق أنقاض وركام الأعمال الرديئة  ليقف فوقها ويشير لنفسه معلنا عن فوزه وقدرته على مواجهة التحدى الاكبر وهو الزمن ,هذا هو المعيار الوحيد ومقياس الحكم الأوحد على الفنون والآداب  على مر التاريخ وفى العالم كله.
لماذا تبقى أفلامًا وأغانى وفنونا بعينها بينما تندثر أخرى وتذهب أدراج الرياح وكأن ريحا صرصرا عاتية اقتلعتها فلا يبقى لها أثر؟ هنا يكمن الجواب, الفن الجيد ليس بحاجة لمن يدافع عنه كما أن الفن الردئ ليس بحاجة لمن يقومه أو يصححه ,تجاهل ما تراه رديئا وانشغل بما تجده يناسب ذوقك وفكرك واترك الأيام تخبرك ما اذا كنت على حق أم لا
سيقولون لك ان الزمن اختلف وان الكاتب الآن لم يعُد بمنأى عن القارئ وانهم جميعا الكتّاب مع القراء يلتقون ويتبادلون الحوار والنقاش على صفحات التواصل الاجتماعى لذلك انه امر مفيد ان يقرأ الكاتب ما يكتب عنه من نقد لكتاباته كى يبدأ فى تقويم وتصحيح كتاباته … أووووه حقا؟
ربما أنك لا تعرف أن النقد لا يكون بالتسفيه والتحقير من شأن الآخرين بإمكانك أن تنتقد كتابا ما أو رواية ما ولكن لا تدّعى أن هذا لا يصلح أن يكون كاتبا وذاك لا ينبغى أن يلتف حوله المعجبون ويصفقوا له ويهللوا له لمجرد أن كتاباته لا تروقك, ربما أنت أيضا كتاباتك لا تروق للكثيرين,هل قام هاروكى موراكامى يحمل لواء التصحيح الأدبى فى اليابان هل تبرعت الكاتبة المتميزة والتى تعتبر حلقة الوصل بين الثقافة الشرقية والثقافة الغربية “اليف شافاق” لتكون قائدة لمثل هذه المشاجرات الأدبية السخيفة؟ بالطبع لا ذلك أن الكاتب الحقيقى دوره هو رصد العالم والبشر وليس الحكم عليهم كما يقول موراكامى,الكاتب الحقيقى يجب ان يكون بعيدا عن اى موضع لاصدار الاحكام, ذلك انه الأجدر به أن يوفر وقته وطاقته ومجهوده ويوجهه فى الاتجاه الصحيح والمناسب وهو الكتابة,عليه أن ينهمك فى الكتابة ويغوص حتى يخرج لجمهوره الأدب الجيد الذى ينادى به بينما يترك مهمة فلترة الأدب وغربلته ل”غربال الزمن” كما قلنا ,الزمن كفيل بهذه المهمة التى أقحمت نفسك فيها دون مبرر أو داع ,أعلم جيدا ان هناك من يجلسون خصيصا لتصيد الأخطاء وتحويل مسار الكلمات وهؤلاء سيظنون انى ادافع عن الادب غير الجيد ؟ أو سيقولون لماذا تخشون هذه الانتفاضة الأدبية كما يسمونوها وفى الحقيقة انه ليس هناك انتفاضة ولا  هناك علاقة للأدب بها ,الأدب بعيد كل البعد عن هذه المهاترات غير الأخلاقية, ما يستحق ان نخشاه حقا هو أن نفقد انسانيتنا ونحن ننصب انفسنا قضاة للأدب تحكم على  الكُتّاب الآخرين وربما تقتل موهبة مازالت فى المهد جرّاء هذه المشاجرات والصراعات ,أنا أدافع عن كلمة أصبحت مستهلكة ولا طعم لها ولا لون اسمها أخلاقيات المهنة ,لماذا تخسر صديقا رائعا وممتازا على المستوى الشخصى والإنسانى لمجرد أن كتاباته لا تروقك بينما تكسب صديقا لا أخلاق له وإنسان دون المستوى بكل النواحى لمجرد أن كتاباته تروقك؟ هل هذا هو ميثاق شرف المهنة ؟
,انتقد ناقش حاور اختلف ولكن دون ان تهدم الآخرين وتسمى ذلك بكل بساطة “مجرد نقد” أحيانا وانا أرى بعض الكُتّاب و”المثقفين” يتشاجرون على أروقة ونواصى الفيس بوك بأسلوب  متدنى وتراشق بالألفاظ  وطريقة مبتذلة تدل على ان هؤلاء لا يمكن ان يكونوا  يتناقشون بشأن أمر أدبى او يختلفون حول رواية أو رأى ,إنما للوهلة الأولى ستتذكر إحدى المشاجرات العنيفة فى أحد الاحياء الشعبية  أقول فى نفسى لا شك لو أن هؤلاء يتقابلون فى هذه اللحظة وجها لوجه لأخرجوا السنج والمطاوى من جيوبهم ,انا لا ابالغ هذا ما رأيته من مجتمع من يطلقون على أنفسهم كّتاب ومثقفين ,هذا ربما لأننا اختزلنا مفهوم الثقافة فى مقدار ما نقرأ أو نكتب ولكن فى الحقيقة الثقافة أشمل وأعم كثيرا من كونها مفهوما يقتصر على القراءة ,هناك مثقفون لم يقرأوا كتابا واحدا ,ذلك أن السفر نوع من أنواع الثقافة,المعرفة بأشكالها المختلفة كتأمل سلوك وحال البشر ومراقبة عاداتهم وتقاليدهم واكتساب الخبرات ثقافة ,تذوق الجمال ثقافة ,القدرة على التفكير بشكل مميز ثقافة ,الثقافة مفهومها واسع الشئ الوحيد المشترك بين من يطلق عليهم مثقفين هو الطريقة التى يتعامل بها وأسلوب الحياة الذى يتبعه هل هو يرقى لأن يكون سلوك بشرى راقى ومتميز ام انه مجرد شخص قرأ وحفظ ودرس كتبا لا حصر لها ولكن اسلوبه وطريقته خالية من اى ثقافة او تحضر؟ هذا هو رأيي المتواضع فيما يحدث من صراع فى الوسط الأدبي الآن؟

 

 

«المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة موقع كتب وكتاب»
 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. صدقت… ودعيني اشاركك في بعض من ملاحظاتك
    فاي ثوره يكون لها اتجاه … وان قالوا لك ان اتجاههم هو الجيد من اﻻدب .. اﻻ انهم لم يعرفو اي من اﻻدب … فقديم اﻻدب وكلاسيكياته يعيب علي الحديث والحداثه والعكس صخيح …. وتبقي ذائقه القارئ هي اﻻساس
    وحتي وان لم تعتمد علي ذائقه القارئ واعتمدت علي النقض اﻻكاديمي البحت فكم من اعمال ادبيه فشلت جماهيريا ونجحت نقديا وايضا العكس صحيح ….
    حتي نجيب محفوظ نفسه لم يسلم فما رأه العالم انه يستحق جائزه نوبل واريناه نحن في سله الحرام والحلال وما يصح وﻻ يصح
    وحتي القائنين علي هذا الموضوع اراهم يعملوا دون ان يدروا لاعلاء مجد كاتب بعينه عن اﻻخرين … فمن نصبهم قضاه
    نشاط الصفحه واﻻفكار يوجد منها الجيد ويوجد منها ماهو قيد التجربه … غير هذا ﻻ يصح ان نصفها بثوره …..
    ﻻسيما مع وجود فعلا من اطلقت عليهم بسليطي اللسان الذين كل همهم ردع من يحاول نقدهم … وليس هذا فحسب بل يقوموا بحذف كل تعليق وكل تساؤل ان لم يعجبهم …. ويقلبوا ضدك سليطوا اللسان حتي اذا ما رددت عليه يكون الحذف من نصيبك … وان تجاهلته .. فالمعني طبعا انه تغلب عليك وانه ردع قلمك
    كما قلت من قبل فعﻻ اوافقك عليه ….
    تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى