مقالات

سمير قنبر يكتب: الكتاب يحتاج إلى ناشر «4»

منذ عقد التسعينات أواخر القرن العشرين، ولم يكن هناك فرصة، أو طريق معروف وواضح لنشر كتاب، لكاتب أو مؤلف أو روائي ما، ومثلما كانت كل مناحي الحياة في مصر قد توقفت عند أواخر عقد السبعينات، ولم تعد تتطور، فنجوم الكتابة والإبداع الروائي أيضاً قد تقلصوا، وبقيت أسماء بعينها تُفرض فقط على عموم مجتمع القراءة في مصر.

بداية من القرن الحالي، بدأت تظهر دورا للنشر ممولة بشكل خاص بعيدا عن مؤسسات الدولة، وبالتالي أصبحت مسألة النشر أيسر قليلاً،  فإذا كنت تملك بعض المال، يمكنك أن تنشر كتابك، وبعد سنوات تغير خط سير الكتاب في عالم النشر، وتطورت الحياة الثقافية تزامنا مع التطور التكنولوجي في عالم الكمبيوتر والانترنت، وأصبحت هناك وسائل أخرى للتعبير عن الذات، وظهرت المدونات والصفحات الالكترونية المجانية، والتي انتشرت في شهور بسيطة بين مرتادي الانترنت من الشباب، ومن هنا خرجت مواهب أخرى، ووجدت لنفسها متنفس للتعبير عن ما بداخلها من مشاعر وأفكار حتى تطور الأمر إلى ظهور دور نشر تنشر الكتاب بشكل الكتروني فقط بصيغة مناسبة للقراءة مباشرة وللتحميل إلى ذاكرة الكمبيوتر الخاص بك، ومع قيام الثورة المجيدة ثورة 25 يناير عام 2011 م، وتحرر الكثير من قيود ظلت سنوات قابعة على عقولهم وأحلامهم، خرجت إلى دنيا الحياة الاجتماعية مواهب تنوعت في كل المجالات: الغناء، الرسم، الشعر، الرواية، القصة، الموسيقى، التمثيل، الصحافة، لمجرد أن شعر عموم المجتمع بالحرية، أصبحت هناك فرصة لإظهار الموهبة بأي شكل، وظهرت عدة مؤسسات، وهيئات خاصة تدعم ذلك، ومن ضمن تلك المؤسسات دور نشر خاصة مهمتها نشر الأدب والثقافة، وتفننت في عملية النصب على الكاتب بان يدفع إذا ما أراد أن ينشر، وبعد مرور سنة كاملة، وعند مراجعة وجرد ما تم بيعه من الكتاب، لا يجد الكاتب أي شيء، وإنما ما يقال له : أن الطبعة الأولى لم تبع ربع العدد، وبالتالي ليس لديك أي ربح، ولان الكاتب لا يستطيع أن يمر على كل مكتبة أو منفذ تم توزيع فيه كتابه، فلا يتمكن من الوقوف على عدد ما بيع وما عليه الا أن يصدق ما قيل له .

وبعد سنوات قليلة، اكتشفت اللعبة، ووعى غالبية الحالمين بنشر أول كتاب أن هناك لعبة ما، يتم إيقاعهم في شراكها، واختفت دور نشر، وظهرت أخرى، وبعضها جازف ونشر على نفقته الخاصة كتاب أو رواية لكاتب ينشر لأول مرة، وليس لديه أي جمهور، ونظير تلك الخدمة؛ له نسبة قليلة جداً من ربح البيع، ولأنه نشر لأول مرة وحقق حلم كبير، فلا يهتم كثيرا بنسبته، وما يمكن أن تجنيه الدار من كتابه الذي ربما ينجح وتتخطى أعداد توزيعه الآلاف بالإضافة للفكرة الجهنمية الرهيبة التي يستخدمها بعض

سمير قنبر
سمير قنبر

أصحاب دور النشر في طباعة نسخ شعبية من اشهر الإصدارات لديهم وتوزيعها بأيديهم على مزوري الكتب، وأصحاب المطابع الخلفية في العتبة والموسكى والازبكية، وعندما يُسأل؛ يقول: هذا أفضل مما أن يسرق كتابي، ولا استفد أي شيء منه، وهو هنا قد حقق ربح ممتاز دون أي مجهود، واستعاض ما صرفه أضعاف، ولكن؛ اين حق الكاتب ؟ ..  لا يوجد.. لان صاحب دار النشر لن يقل بنفسه للكاتب: انه هو من أعاد طبع الكتاب بشكل رديء، وغير مكلف، لتوزيعه في سور الأزبكية وما يشابهه من الأسوار في كل مدن مصر.

وكما هو معروف لا يمكن حتى الآن، أن يستطيع كاتب ما، أن يتحكم في دار نشر نشرت له، أو يعرف تحديدا حجم ما طبع وبيع، ولا يوجد الا أمرين.. الأول:- أن يكون الكاتب شهير، وله جمهور، ويبيع مخطوطة كتابه إلى دار النشر بمبلغ معين ويتنازل عن الحقوق الكاملة لما ألفه لصالح تلك الدار، وبالتالي.. إذا ما طبع الكتاب بشكل رديء، ورخيص، فيكون مزيد من الشهرة والانتشار فهو قد تقاضى حقه وانتهى.

والأمر الثاني:- أن يكون الكاتب غير مشهور، أو مبتدئ، ويبيع مخطوطة كتابه لدار النشر بشكل قطعي هو الأخر، ولكن هنا، سيتقاضى مبلغ لا يعادل سعر 50 نسخة من كتابه، ولكنه سيكون في حل من البحث عن حجم توزيع كتابه، وانتشاره ووصوله لجمهور القراء حول مصر من الإسكندرية وحتى أسوان.

ربما توجد على ساحة النشر الآن في مصر عدة دور نشر خاصة مازالت تحترم ميثاق نشر الثقافة والأدب، وتعمل على السير في خط واضح، ومنظم يبقيها راسخة في عالم النشر، وفي كل موسم ربما تخرج على جمهور القراءة بأسماء أدبية جديدة، ولكن التجارب السيئة للبعض هي من تجد لنفسها انتشار واسترسال بين الأفواه في الوسط الثقافي، فالكتاب يحتاج إلى ناشر مثقف أولاً وواعي ثانياً وهادف ثالثاً لإثراء الساحة الثقافية، رغم أن تلك النقاط الثلاث لا تتعارض مع الربح المادي من نشر الكتب، ولكنه الاستعجال والتعامل المجرد مع الكتاب على انه سلعة تجارية بحتة هو ما يجعل أداء الناشر على غير المستوى المطلوب والمرغوب من كل كاتب يرغب في إظهار ما كتبه للعموم.

النشر على حساب الكاتب ليست تجربة مصرية، ولا ابتكار جديد من ابتكارات المصريين بل تجربة غربية سارية منذ سنوات في الغرب، ولكن نحن اعتدنا على اختيار ما يناسب مكاسبنا فقط من تجارب الغرب دون تطوير أو تجديد، فحتى دور النشر في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتقاضى ثمن النشر من الكاتب، بمجرد توقيع العقود، تعتمد الطريق لإظهار الكتاب المذيل غلافه بشعار الدار وإنجاحه بين باقي الكتب في عالم الثقافة والأدب، وتضع سياسة كاملة لانتشار الكتاب ليصل للقارئ في كل مكان تزامناً مع الربح سواء لدار النشر أو الكاتب، بينما التجربة السيئة لدينا هي بمجرد استلام النص والثمن المطلوب للنشر، تنتهي مهمة الدار بطبع الكتاب، وتوزيعه على المكتبات، هذا إذا تم توزيعه كما يجب في الأساس، وبتلك الألية هذه ليست دارا للنشر بل مطبعة، كلما دخل احدهم بمخطوطة لديه، وثمن الطباعة فتطبع له، فلا فارق لدي المطبعة ما بين جدول حصص، أو برشور إعلاني لمرشح سياسي، أو حتى إمساكية لشهر رمضان، وتجارب بعض الكتاب الجدد، نُشرت حلقاتها على الكثير من المواقع الالكترونية، والصحف، وتسرد كيف تم وئد حلم كاتب، ربما كان سينير بعض من الطريق أمام من يقرأ، ولو حتى بنقل تجاربه الحياتية في شكل روائي أو قصصي. فالكتاب يحتاج إلى ناشر يعي قيمة الكلمة ودور الكتاب في تغير المجتمعات ولديه فهم لآلية الربح المادي من عالم نشر الكتب دون أن يخل بقيمة الكتاب أو الكاتب أو القارئ ويعلم جيدا انه جزء من بناء المجتمع ولابد وان يكون على المستوى المطلوب لاستكمال دوره البنائي.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى