مقالات

محمد زهران يكتب: عن العلم و الأدب

في السابع من مايو عام 1959 دخل السير تشارلز بيرسي سنو (Charles Percy Snow)  قاعة مجلس الشيوخ بجامعة كمبريدج و أعطى محاضرة أثارت جدلاً شديداً في الأوساط العلمية و الأدبية حتى الأن! فما هي قصة هذه المحاضرة المسماه “الثقافتان” (The Two Cultures) ؟

السير تشارلز سنو كان عالماً في الكيمياء الفيزيائية (physical chemistry) و روائي في نفس الوقت، فكان يقضى نهاره مع العلماء و يقضى ليله مع الأدباء، و قد أتاح له ذلك أن يراقب هاتين الثقافتين و كان هذا عنوان محاضرته، التي نشرت في كتاب – مازال يطبع حتى الأن- و أثارت جدلاً نتج عنه كتب و مقالات لا تحصى، فلماذا؟

المشكلة الأساسية التي أثارها السير سنو هى وجود ثقافتان لا ثقافة واحدة، يقول سنو إذا سألت أحد الأدباء عن قانون الديناميكا الحرارية كان صمت القبور هو الرد، و إذا سألت أحد العلماء عن ما إذا قد قرأ شكسبير أسرع بتغيير الموضوع، المحاضرة مثيرة من ناحية أخرى أيضاً حيث يقارن بين العلماء و الأدباء من حيث التفاؤل و التشاؤم، و من حيث التمسك بالأخلاق، إلخ و لكننا لن نناقش هذا الجانب من المحاضرة الأن، و يوجد تلخيص شيق لها في أحد أبواب الكتاب الجميل للدكتور سمير حنا صادق بعنوان “ثرثرة عالم عجوز” ، ما يهمنا هو الثقافتان.

للأسف المشكلة التي أثارها السير سنو تثير الحزن في نفسي لأننى أواجهها، فأنا بحكم عملى و دراستى أتبع الثقافة العلمية،

و كما في محاضرة سنو مقل جداً في قراءاتى للأدب الروائى، السؤال الأن: هل هذه مشكلة؟

نعم إنها مشكلة، و مشكلة كبيرة جداً، العلم يجعلك ترى كيف يعمل الكون (و هذا له جماله) و كيف تروضه قدر المستطاع،

و لكن الأدب يجعلك ترى  عمق المشاعر الإنسانية، و دمج الرؤيتين يجعلك ترى الصورة الكاملة، فتعرف كيف توجه علمك ليكون أكثر تأثيراً (إذا كنت عالماً) و يجعلك تفهم النفس البشرية بعمق أكثر (إذا كنت أديباً)، و الأهم يجعلك ترى الجمال في كل شيء (إذا كنت عالماً أو أديباً).

الدليل على ذلك أن أعظم العلماء  و الأدباء (العلماء و الأدباء مراتب أيضاً) كانت لهم إهتمامات أدبية، الفيزيائى العظيم ريتشارد فاينمان – الحاصل على جائزة نوبل عام 1965- كان يرسم و كان يعشق الطبلة، العالم الرياضى الجليل على مصطفى مشرفة كان مهتماً بالموسيقى العربية و الغربية على حد سواء و كان عازف للبيانو، بل و له مناظرة شهيرة مع الدكتور طه حسين عن “أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم؟”، ألبرت أينشتاين كان عازفاً على الفايولين و كان يقول لو لم يكن عالماً فيزيائياً لكان موسيقياً، أديبنا العملاق عباس محمود العقاد كان يقرأ فى العلوم و قد أشار في إحدى كتبه (و أيضاً في لقاء تليفزيونى نادر) أن عنده عدة أرفف في مكتبته عن الحشرات، إيزاك أزيموف رائد روايات الخيال العلمى كان يحمل درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية (biochemistry) ، و السير سنو الذى بدأنا به هذا المقال مثال آخر، الأمثلة كثيرة و لا تحصى،  الفن و الأدب في بوتقه واحدة و هما إحدى الثقافتان، و لكن دعى أزيدك أن العلم نوع من الفنون هو الآخر و ليس مجرد كلام جاف، العالم كله سيستفيد إذا أصبحت هناك ثقافة واحدة!

أعتقد أننا نقترب من هذا الحلم كثيراً في عصرنا هذا حيث الحصول على الكتب و التواصل أصبح سهلاً، و ذلك جعل كل شخص من ثقافة معينة يقرأ ولو قليلاً في ثقافة الآخر، و قد بدأ ذلك يعطى ثماره و أصبحنا نرى بعض الدوريات التي تجمع بين العلوم و الآداب مثل مجلة   ( Journal of Literature and Science)  التي نشرت أول عدد لها في العام 2008، و لكن تلك خطوة أولى، و أنا أؤمن أن التقارب بين العلوم و الأداب سينتج علوماّ جديدة و أدباً جديداً، و أرجو (بل أتوسل) إلى الجيل الحالي أن يقرأ في العلوم و الأداب متى استطاع ذلك، سأحاول أن أفعل ذلك أنا أيضاً …

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى