مقالات

عمرو العادلي يكتب: الفرق بين الجرائد الصفراء ومجلة العربي

من كان يتابع مجلة العربي الكويتية أثناء حرب تحرير الكويت 1991 وما بعدها، سيدرك معنى السياسة التحريرية للمجلة، فقد كان البلد الذي تصدر منه المجلة منهكاً وبه من الجراح ما لا يُحصَى، ولكنها برغم ذلك لم تحيد عن سياستها ومنهجها التحريري من دراسات وملفات وتحليلات، واختلافات الشعوب الثقافية والفكرية، وكنت أثناء ذلك أتعجب أشد العجب، وأقول لنفسي: كيف يمكن لهذه الدورية الثقافية الشهرية المهمة إغفالُ كل ما يحدث في البلاد من انتهاكات وانخفاض لسعر الدينار الكويتي حتى وصل إلى تسعين قرشاً مصرياً فقط، وزد على ذلك حرق آبار النفط بعد إلقاء المستخرج منه في المحيط، كل ذلك وأكثر والمجلة العريقة تمارس تصدير الثقافة الحقيقية بأقلام أكبر وأعذب الأقلام العربية. كانت المجلة تنشر أفضل القصص المترجمة وتهتم ببريد القراء ومسابقة التصوير في عز محنة البلد.

ما الذي ذكَرني بهذه الملاحظات التي مر عليها رُبع قرن؟ الذي ذكرني هو موقف الأدباء الكبار من القضايا التي تشغل عقول الجيل الأصغر الآن، فأغلبهم يشبهون هذه المجلة العريقة، لا يردون ولا ينساقون خلف تهافت الآراء التي لا أول لها ولا آخر، الكل يُقيِّم الكل، وأحيانا يسبه ويلغي تاريخه لمجرد أنه قد أصبح له بوقاً يصيح منه، وفيس بوك أصبح أكبر بوق يتم إطلاق التصريحات الغريبة منه، رغم أن أسهل شيء هو قول أن هذا عمل ردئ، أو ذاك عمل رائع.

طيب، ما هو المقابل لمجلة العربي؟ المقابل هو الجرائد الصفراء، من يعملون من الحبّة قُبَّة، من يفبركون الأخبار والآراء، من تصبح موضوعاتهم رهن الحالة وملك اللحظة فقط، لا تصلح الجرائد الصفراء إلاّ لليوم فقط، ثم تتحول بعد ذلك لمسح الزجاج ولف الساندويتشات.

طيب، ما الذي ذكّرني بالجرائد الصفراء؟ الذي ذكرني هو بعض الأقلام الجديدة التي لا تتأنى في السباب والشتائم بكل ما أوتيت من تدني أخلاقي، سباب في الكبير والصغير، نصبوا أنفسهم حكاماً على غيرهم من نفس مهنة الكتابة، بالرغم من أن ما يكتبونه لو تعرض لنقد حقيقي سيلقى به من أقرب نافذة، اللغة متقعرة ومنسية وغريبة، والعوالم قديمة والبناء متهافت وآيل للسقوط، والخبرة الثقافية لا تعرف من المستويات سوى مستويات للسباب فقط، وفي النهاية لا يمكن أن أتقبل هؤلاء على أنهم ينتمون للواقع الثقافي، والحالة الأدبية الراهنة، كيف لي أن أتقبل شخصا يسب كل من يقابله على صفحته الشخصية، متخذا ذلك وسيلة لشهرة زائفة، ثم أتقبل نفس الشخص وهو يكتب رواية يتحدث فيها عن الرؤية الشفافة والزهد ونقاء الروح، أو عن القيم الأبوية والتراث الإيماني العميق، أو عن تجارب روحية تحتوي النفس الإنسانية الضعيفة؟ هل يصبح الكاتب بوجهين؟ وإذا كان كذلك، فما هو الوجه الذي يريد مني أن أصدقه؟ وجه مجلة العربي الذي يدسه لي فى الروايات التي يكتبها؛ أم وجه الجرائد الصفراء التي يصدره لي على صفحته الشخصية في تواصله الاجتماعي؟

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى