مقالات

كريم شفيق يكتب: من الأرشيف السري للثقافة المصرية .. شهادة علي جرائم اليمين ضد الثقافة والمثقفين

“ما علي إذا لم يكن لي صولجان، أليس لي قلم”.. العبارة منسوبة لأحد أدباء وفلاسفة عصر التنوير فولتير. تذكرتها أثناء الإنتهاء من قراءة كتاب الدكتور غالي شكري: “من الأرشيف السري للثقافة المصرية”. فهي توجز تلك العلاقة بين المثقف والسلطة في رموزهما المتعددة والتي جعلت من “القلم” أداة نفوذ وتسلط تضعها حيلة أمام نفوذ السلطان حيث لايمكن بحال تجاهل تأثير الكتاب والمفكرين في تاريخ أي أمة وتراث أي حضارة سواء كانت الثقافة من المركز أو الهامش من داخل السلطة أو خارجة عليها. كما أن السلطة دائما ما احتاجت أن تثبت شرعيتها من خلال هذه الوسائط  لتنقل عنها أدوارها وتكشف عن هويتها. هذا أبدا لم يأت عبر طرف أو خيط بارز وواضح إنما بالبحث خلف عدة أطراف وتفكيك خيوط غاية في التعقيد وتحري كل ما هو غامض.

يمثل كتاب “من الأرشيف السري للثقافة المصرية”، للدكتور غالي شكري الناقد والمؤرخ المصري(1935-1998)، كشهادة حية من دفتر كاتب عاين وسجل أحداث ووقائع هامة ومؤثرة في المشهد السياسي والثقافي المصري.

يقول المؤلف عن كتابه أنها: “قطرة من بحر الخطايا والجرائم التي ارتكبها اليمين المصري ضد الثقافة والمثقفين”. فيكشف من خلال صفحات هذا الكتاب عن بعض فصول “المعركة السرية والمعلنة بين مثقفي اليمين وبقية صفوف الثقافة الوطنية والتقدمية”، ويروي الكثير عن شخوصها وأبطالها كما يعرض تناقضات المثقفين أمام السلطة من الخضوع إلي المقاومة وقوانين السلطة في إدارة صراعها مع الصحافة والإعلام ومنابر تشكيل الرأي العام.

في مقدمة الكتاب يلفت المؤلف إلي أهمية شهادته في صفحاتها القليلة التي يرتكز دورها الرئيس علي محاولات إخراج الذاكرة من سراديبها.

كريم شفيق
كريم شفيق

كما يؤكد أنها بحاجة لمن يضيف عليها ويتجاسر علي فتح أرشيفه الخاص الذي بحوزة كل مثقف من ذكريات وملاحظات أو إعترافات سواء سجلها في ذهنه أو علي الورق. فينتبه إلي أن :” العرف السائد هو عدم التعرض للأحياء، إذا بادر أحدهم إلي التذكر ولأن الجميع ينتظرون موت الجميع، فإن الجميع لايتذكرون”.

صدر الكتاب الذي يقع في 141 صفحة من القطع المتوسط عن دار الطليعة في بيروت عام 1975، وأعادت الهيئة العامة للكتاب مؤخرا نشره في طبعات جديدة في سلسلة العلوم الإجتماعية عن مشروع مكتبة الأسرة.

والكتاب ينتمي إلي فترة ما عرف بحملة “إطفاء المصابيح الثقافية”، التي قادها الرئيس السادات بفصل 120 كاتبا وأستاذا جامعيا من المحسوبين علي التيار اليساري والناصري وتحويل بعضهم لهيئة الإستعلامات كان من بينهم لويس عوض وأحمد بهاء الدين. فضلا عن وقف إصدار عدد من المجلات الهامة مثل مجلة “المجلة” والطليعة.

فذهب شكري إلي العراق ونشر كتابه “مذكرات الجيل الضائع”، تعبيرا عن الحالة سالفة الذكر وتوقيع السادات لمعاهدة كامب ديفيد، ثم سافر إلي بيروت التي قضي فيها ثلاث سنوات ونصف حتي ترك “عرس الدم في لبنان”، يروي هو الآخر في كتاب فصول المأساة التي شهدها قبل أن يسافر إلي فرنسا بينما تنهش نار الطائفية والحرب الأهلية أجزاء لبنان وتضعف مكوناته.

في فرنسا كانت المحطة الأهم التي استقر بها اثنتي عشر عاما حصل خلالها علي الدكتوراه تحت اشراف المستعرب الفرنسي جاك بيرك وأنجز أطروحته المترجمة إلي العربية “النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث”.

يتصدي مؤلف الثورة المضادة في مصر في كتابة “الأرشيف السري”، إلي فئة المثقفين الذين حولوا الثقافة إلي سلعة ومادة للإستهلاك عناصرها الفكر الغيبي وقصص تحضير الأرواح والشائعات فتصبح صناعة الصحافة هي :”الدون جوانيه والسياحة وترجمة أغلفة الكتب إلي لغة باهرة ومثيرة توهم القراء أنهم أصبحوا مثففين”.

يحدد بالأسماء كتابا ضمنت لهم شهرتهم حصانة ترفعهم عن النقد أو المساءلة، فيشير إلي أنيس منصور مدرس الفلسفة الشاب الذي يترجم الأدب العالمي ويلخص كبري المدارس الفلسفية لكنه يخضع لإغراءات السوق وقانون العرض والطلب الذي يحدد ثمن أي شئ بغض النظر عن قيمته فجرت عملية غاية في الدقة والتدبير لسحق وعي الجماهير التي تتوسل العزاء تحت وطأة شقاءها الإجتماعي بعيدا عن الواقع الكثيف علي سطح الأرض.

ويعرج علي كاتب بحجم توفيق الحكيم ويثير قصة غاية في الحساسية تتعلق بفتاة تدعي سناء حسن أوفدها الحكيم لزيارة مكتب الطليعة وأوصاه بمقابلتها وفيما اقتصر تعريفه لها عن كونها مصرية أمريكية تدرس بجامعة هارفارد فلم تنكشف أمامه شخصيتها وينجلي الغموض عنها إلا وهو يطالع مقالا لها بصحيفة النيويورك تايمز تطالب فيه العرب بالصلح مع إسرائيل وتسوية الصراع الفلسطيني بالإعتراف الكامل بالدولة اليهوية وتوطين الفلسطينيين ضمن المملكة الأردنية.

لكن شكري يملء فمة بسؤال كبير عن طبيعة المهمة التي كانت تؤديها تلك الشاب مابين شتاء 72 وربيع عام 1973 وعن نشاط الحكيم في تعريفها وتواصلها مع المثقفين المصريين الذي كفل لها حصولها علي “كنز ثمين” من أرشيف جريدة الاهرام وهو ملف الندوة التي جمعت القذافي بعدد من أهم كتابها ومنع هيكل نشر الجزء الثاني منها لورود شهادتين لتوفيق الحكيم وحسين فوزي اعترفا كلاهما أن الصلح مع إسرائيل هو المخرج الوحيد من الأزمة.

يدين الكاتب عدم إيجاد عبد الناصر صيغة للديمقراطية والتحول عن سلطة الإقطاع والشرائح العليا من البرجوازية ما يمكنه بعد ذلك من الإنفتاح علي كافة التيارات السياسية وتصفية قوي الثورة المضادة داخل الثورة والتي كانت بمثابة “الجيوب اليمينية” التي أجهضت المشروع الثوري ووقفت ضد ولوج أطرافه الحقيقية إليه. وحين قام عبد الناصر بالإفراج عن المعتقلين اليساريين في نهايات عام 1964 تصدت القوي الرجعية لهم بغية عدم وصول أحد منهم لمواقعه والبقاء فيه لأداء مهامه.

ويورد الكتاب أن النظام بينما كان يمضي في طريق الإشتراكية كانت العناصر المؤمنة بها في السجون يمارس ضدها التعذيب حد القتل وفي الخارج تتعرض للتشوية والإزدراء. وفي الوقت الذي دأبت فيه الأقلام والصحف كالأخوين علي ومصطفي أمين في أخبار اليوم توصم المنتمين للفكر الإشتراكي بالكفر وتنفي عنهم صفة الوطنية كأنهم “خوارج” العصر، ومضي صالح جودت في المصور يقول هو الآخر:” أن الماركسيين ملحدين والمصريين مؤمنيين فالماركسيين غير وطنيين”.

ظلت هذه الثغرات مثل ندبات في وجه النظام تضعفه وتجهض كل منجزاته الإجتماعية والإقتصاديه حتي انتهزت الفرصة كاملة للإنقضاض عليها تماما في الفصل الأخير الذي وضع له عنوانا “مؤامرة 1965 نجحت في 1975”.. وهي الفترة التي صعدت فيها القوي الدينية علي حساب كل القوي المدنية وساد خطاب أصولي يقر الحجاب علي الفتيات ويمنع الإختلاط بالجامعات ويقف ضد عرض الأعمال الفنية والنشاطات الادبية كما أن عودة بعض فلول ورموز رجال ما قبل الثورة مع الطبقات الإجتماعية الصاعدة علي أكتاف ماعرف بالإنفتاح الإقتصادي والربح السريع كانت محصلته بدايات تصدع في المجتمع نتيجة التفاوت الطبقي ومظاهر الإستهلاك الخارجية وتزايد معدلات الفقر والتضخم معا وغضب الجماهير التي تلاشت كل مكتسابتها الإجتماعية واهتزت الأرض من تحتها فتحولنا إلي مجتمع ضد المدنية والضارة وينتمي إلي اكثر العصور ظلاما بحسب وصف توفيق الحكيم علي لسان المؤلف.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى