مقالات

أحمد شاكر يكتب: رواية «مجنون الأمل» لـ عبداللطيف اللعبي

مدخل:

يقول رولان بارت في كتابه لذة النص: ( إن ما أتذوقه في قصة من القصص، ليس هو مضمونها مباشرة، ولا بنيتها، ولكني أتذوق بالأحرى الخدوش التي أفرضها على الغلاف الجميل: إنني أركض، وأقفز، وأرفع رأسي، وأعود للغوص ثانية).

وقبل أن أشرع في القراءة، أتحسس الغلاف؛ (مجنون الأمل) بخط بارز. مموج بالأسمر والأرجواني. أتأمل في لوحة الغلاف التي تتسم بالغموض: ثمة حيوان، وشبح إنسان أو مارد أحمر. وبحر. وللخضار حضور واضح.

أدخل. الاهداء لإثنين من الرفقاء اللذين ما يزالان يعيشان المحنة.

الهدف:

يقول الراوي: ” إن الهدف ليس فقط الإخبار عن تجربة مؤرخة وموقعة، هنا والآن. (يقصد تجربة السجن/ المنفى)، تشغلني أمور أخري أكثر من مجرد الشهادة. أفكر في كل شهداء التاريخ، الماضي منه والآتي. أقصد البطولة والفجيعة المجهولتين، أينما كان الرهان هو الدفاع عن الأمل، كيفما كانت درجة واقعية أو طوباوية هذا الدفاع”. فالأمل مهنة صعبة. إنه حرفة عاشق يعيش في قلق دائم. كما يقول اللعبي.

تقسيم:

يسبق كل فصل من فصول الرواية، لوحة شعرية، بارعة الرهافة والأناقة. (بعد القراءة سيفاجأ القارئ بأن الرواية كلها شعرا). إستهلال الرواية فذ. قد يصيبك بالصمت؛ التوقف. ثم القراءة، القراءة بصوت مسموع: ها أنت حـر. يا سندباد القلاع المظلمة. أنت الآن حـر.

كم تمنيت أن أكون قارئا بالفرنسية لأقرأ هذه الكلمات بلغتها الأصلية، بكل شاعريتها، وأناقتها.

يحكي الراوي تجربته مع المنفى/ السجن. ويبدأ من لحظة الخروج. لحظة تخطي العتبة، وصوت اطباق الباب. لحظة التحرر والارتطام بهواء الخارج. يدخل زنزانته للمرة الأخيرة. يلملم أمتعته. ذكرياته. أوراق منفاه. صوره. يودع رفاقه: كل شيء إلا النسيان. كلمة أخيره. يلقيها وترتد. يودع نخلته. يقول: في بعض الظروف، يمكن لشجرة أن تساوي إنسانا.

أحمد شاكرهل من اليسير مغادرة القيد، واستقبال الحرية؟ لا. يجيب الراوي. مستحيل هذا الانفصال. بعد هذا العمر وهذه السنوات. فالحرية المبتذلة، مهددة وجزئية، وسط التعسف، والبؤس اليومي، وقمع كل قوة حية. لكن الحرية الأخرى. حرية الشجرة. التأمل. غياب التدنيس هذا. استيقاظ، مشي وعمل، حياة زهد.

الخروج:

– مرحبا، هنيئا!

أيد تمتد. عناق. وجوه مجهولة أو معروفة.

يجب عليك أن تتعلم المشي من جديد. خطوة، ثم أخرى، دائما إلي الأمام، علي خط مستقيم. لم يعد مشيك دائريا، حيث تتوقف بالضرورة عند إحدي نقاط انطلاقك..

احكِ.

احكِ يا سندباد القلاع المظلمة، قبل أن تنهشك وتستنزفك دوامة حريتك المبتذلة.

يستجمع الراوي، اللحظات الأشد ألقا، وتوهجا: لحظة القبض عليه، ومداهمة فضاء ـ حرمة البيت. الاهانة. التحقيق معه، واستنطاقه بالضرب والتعذيب. تعليقه من قدميه. الزيارة الأسبوعية، تلك التي تمده بالذخيرة المطلوبة من الصور والأحاسيس، التي سيعيش عليها، مقاوما مرارة الحياة السجينة. الرسائل. كتابة الرسائل. انتظار رسالة. رسائل ابنه الرائعة في نضارتها السوريالية أو رزانتها التقريرية. المطر. والاستمتاع بمشاهدته من فتحة جدار المرحاض، وتشمم رائحة الخصب من الأرض. المرض. الدواء. الأحلام. أحلامه الهائمة، المزروعة بالحواجز. وحدته. يقول: “عندما يكون المرء وحيدا، يكون دائما مجنونا بشكل ما. يحدث أن تنفلت منه ملاحظة دون أن يبالي، أو ضحكة. يمكن له أن يغني دون اضطرار أو رخصة، يتحدث بجدية مع نفسه أو مع مخاطب متخيل. الوحدة حالة جد مأهولة”. اضرابه أحيانا عن القراءة. أمسيات السهر والضحك. لحظة نطق المحكمة بالحكم، والنشيد الذي أنشده مع رفاقه: لنا يا رفاق لقاء غدا/ سنأتي ولن نخلف الموعدا/ فلا السجن يوقفنا والخطوب/ وليس يهدم عزم الشعوب/ طغاة الشعوب مضي عهدهم/ وشمسهم آذنت بالغروب. لحظة إخباره بوفاة أمه، وبكاءه وحده في عتمة الزنزانة. أول صباح له في غرفته بعد الخروج، وقياسه كل شيء بأبعاد الزنزانة: فسقف الغرفة ليس أعلي من سقف الزنزانة. السقف الذي جعله مسرحا يعرض عليه شريط يومه الاعتيادي. ولطع الرطوبة علي جدران الحجرة، تذكره بتلك التي كانت علي جدران الزنزانة، حيث كانت تستحيل صورا، وخرائط جغرافية، ولوحات. تطوافه علي غرفة ابنه البكر، وبنتيه، منتهزا فرصة غيابهما. زيارته بعد خروجه لـ (فاس) مسقط رأسه. حيث تعقيدات الجذور. مملكة الطفولة. وزيارته لقبر أمه. 

مقتبسات:

“إذن لابد من قهر الموت البطيء، تحرير الينابيع، فك أقفال الشمس. سوف يستعيد وطننا ألوانه، صحته، وحينئذ سيوزع السعادة ملء أذرعه..”

“عندما يتكرر الموت، يفقد طابعه المأساوي. يصبح أليفا، عنصرا  عاديا في المأساة الشاملة”

“إن كلماتنا هي التي ستعبر عنا أخيرا بصدق وأمانة، وليس اللباس الذي نرتديه فوق الخشبة أو الأكسيسوارات”.

 تجربة:

تجربة القراءة للعبي، تجربة فريدة وغنية. خاصة هنا، مع مجنون الأمل، في قارة الأمل، في زمن السجن الذي يطبق على أرواحنا. فللعبي رؤية مغايرة للسجن وللحياة. كتاباته طازجة وحية. لغته شاعرية وملهمة. يمسك دائما باللحظات الأشد اتقادا، وجنونا..

ممتع جدا أن تستكشف بنفسك عالم كاتب، دون اشارة أو توجيه من أحد. لقد عرفتني نفسي باللعبي، دون اشارة، أو توجيه من أحد. وعرفني اللعبي بتجربة غير عادية. سواء هنا في (مجنون الأمل)، أو في رسائله (يوميات قلعة المنفى).

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى