مقالات

عمرو العادلي يكتب: لماذا إبراهيم أصلان؟

جسد ضيئل يحتوي قلب كبير وعقل متأمل، شارب نيتشوي وعين متسامحة، له فلسفته الخاصة وهي دع الملك للمالك، المرة الوحيدة التي قابلته فيها كان في حفل توقيع مجموعته القصصية الجميلة “حجرتين وصالة” في مكتبة “أ” فرع مصر الجديدة، وكانت المرة الأولى التي تتطابق فيها التصورات مع الحقائق، فقد رأيت إبراهيم أصلان كما تخيلته تماما.

ولكن لماذا إبراهيم أصلان في هذا التوقيت؟ لأنه يُخرج من قبره روحه الجميلة لكل المتنطعين الذي أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من وصف أنفسهم بالرسل المبشرين بتغيير خارطة الأدب في العالم العربي. وربما في العالم أجمع، وهم كذلك ملائكة ومُلهَمون وهم من انشأوا وادي عبقر وليسوا فقط مجرد عباقرة.

كان إبراهيم أصلان يكتب للمرة الأولى مقالاً للأهرام، أخذ قلمه الرصاص وجلس بجوار سعيد الكفراوي ومحمود الورداني، سألهم بعد أن قرأ عليهم المقال، هل مقالي حلو، فأشادا به، وبعد ساعات من نشر المقال جاءهم إبراهيم أصلان قائلاً لهم، لقد خدعتوني والمقال سيء جداً، وبالطبع لم يكن المقال سيئا، ولكن الاكتفاء الذاتي عند الأديب الحقيقي دائما أعلى من الواقع، فلم يتباهى بأنه نشر مقالا في أشهر جريدة في العالم العربي، ولم ينشغل بتصوير (الطريقة القديمة للشير) المقال وعرضه على أصدقائه من باب التباهي، ولكنه انشغل بنقد نفسه قبل أن ينتقده الأخرون، وكان مشهوراً عنه ولعه بحمل “أستيكة” بشكل دائم لكي يحذف ما يريد بسرعة ودون تردد، وعندما اقتنى الكومبيوتر، كان معجباً جداً بخاصية الحذف دون الحاجة إلى أستيكة، والفرق بين بعض أعماله القصيرة وبعضها كان يمتد لأكثر من عشر سنوات، وذلك لكي ينقح ما يكتبه دون الاهتمام بالتقديم في جوائز كبرى تصنع له صيتاً أو شهرة فارغة.

عمرو العادلي
عمرو العادلي

لم أحب فكرة توقيع الكتاب لي على نسخة من مؤلفاتهم، ولكني ندمت كثيراً لأنني لم أسمح لإبراهيم أصلان أن يوقع لي على مجموعته القصصية، فهناك استثناءات لكل قاعدة، وإبراهيم أصلان من هذه القامات الاستثنائية. ذات مرة سأل صحفي علاء الأسواني عن ترشيحاته للقراء، فكان على رأس من رشحهم نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإبراهيم أصلان، فتطرق الصحفي لأعمال بعينها لكل من الأدباء الثلاثة، فرشح الأسواني الحرافيش واللص والكلاب والثلاثية لمحفوظ، والبيضاء وحادثة شرف وأليس كذلك لإدريس، وعندما جاءت سيرة اختيار أعمال بعينها لإبراهيم أصلان قال الأسواني للصحفي “عيب عليك، دا الراجل أعماله الكاملة كلها أد كده” وباعد بين إبهامه وسبابته تاركا بينهما خمسة سنتيمترات.

عرضت على ابنتي عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها مجموعته الجميلة “حكايات من فضل الله عثمان” وتُيمت بها وأصبحت كل يومين تحكي لي قصة منها، وعندما سألتها عن سبب إعجابها بهذه القصص بقدر أكبر من قصص أخرى تناسب سنها فقالت: إنها تتذكر كل كلمة في بعض القصص، وهذا معناه أن ما خرج من قلب الرجل سكن مباشرة كسهم في قلب المتلقى حتى لو كان في الثانية عشرة من عمره.

في حفل التوقيع طلب عصير جوافة، وأثناء رشف أول رشفة علق بعض من العصير في شاربه، كنت قريباً جداً منه، فأخرج منديلا من جيبه ومسح شاربه، وعندما لاحظ متابعتي الدقيقة له قال بحسه الساخر وابتسامته البسيطة:

“أصل شنبي ده صاحبي. باخده معايا في كل حتة. ومش معقول أشرب عصير وهوه لأ”

رحم الله إبراهيم أصلان، ورحمنا من كل ما ابتلينا به.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى