قصةمشاركات أدبية

القطار..

كتب: محمد عبد القادر

أيقظني من غفوتي صفير إنذار يبلغني اقتراب قدوم قطار الأنفاق، أعدت نفسي للوقوف وقصدت باب معين اعتدت الدخول منه، راوغت بجسدي بين تلك الأجساد المتشابكة حتى وجدت قدماي موضعًا، جاهد أنفي في التقاط الأنفاس من الهواء الساخن الممزوج برائحة فظة تستفز الأنوف، ينضح وجهي وجسمي بالعرق حتى ابتلت ملابسي، يسود الصمت المكان، ولا يسمع سوى أنين العجلات وهي تكافح على القضبان، كلما تقدم القطار في سيره ابتلع في جوفه المزيد من الأجساد، غلبني الملل حتى مؤنسي الوحيد عجزت يدي أن تضعه أمام عيني لقراءته، لم أجد تسلية إلا أن أتصفح بنظري من وجه لآخر، تتشابه الوجوه في الأحرف لكنها تختلف في التعبير، تصفحت الكثير والكثير حتى لمحت عيناي امرأة نهشت التجاعيد وجهها، إلا إنه مازال يحتفظ بآثار جمال من عهد مضى، ومنذ أن أبصرتها لاحت في نفسي سكينة وهدوء، وكأن ملامحها نحتت لذلك، ظلت عيناي شاخصة متربصة بحركاتها حتى أدركت عينيها أسهمي، أصابني الخجل بالوجوم، فأطرقت رأسي أرضًا، بذلت كل ما بوسعي كي أبرح مكاني هربًا لكن الأجساد لم تدع لي مهربًا، فلم أجد إلا أن أظل مطرقًا، ولم تمض سوى دقائق معدودات حتى رفعت رأسي وعاودت التصفح مرارًا متجنبًا قِبلتها، لكن راودتني نفسي وأجبرتني قوتها الآمرة أن أختلس نظرة عابرة للمرأة، التفت نحوها فوجدتها تشخص في بعين ثابتة، غضضت بصري برهة ثم خطفت نظرة ثانية منها، وكانت المفاجأة، لازالت المرأة ترصدني بعينين امتلأتا بنظرات تشع بثقة كما لو كانت تعرفني ثم تبسمت ونطقت تسألني عن نفسي، غرقت في صمت وظللت واجمًا لم تنبس شفتاي بحرف، كررت سؤالها مرة أخرى، فلم أفعل إلا أن غمغمت بكلام غير مفهوم، ثم أجبت بأنني في خير، اقتربت منى ومدت يدها تصافحني- في تلك اللحظة حاولت أن أفتش في رأسي عن أثر من ذاكرة لها لكنني فشلت- صافحتها فأحكمت قبضة يدها على يدي، فأحسست بقشعريرة في بدني لم يبطلها سوى كبح القطار فجأة، زلزلت الأجساد زلزلة عظيمة، لكن المرأة ظلت في مكانها وعينيها مثبتة علىً، وبالرغم من شدة الازدحام إلا أن المرأة اقتربت مني أكثر، حتى دنا وجهها من وجهي، فحدثت نفسي متعجبًا: يا إلهي من تكون هذه المرأة؟ لقد تغيرت ملامحها في ثواني معدودات! فأصبحت فائقة الجمال ذات بشرة نضرة وقوام ممشوق، بادرتني بالكلام وقالت: يبدو أنك عرفتني ثم ابتسمت، لم أعلم من أين جاءتني الجرأة فقلت: نعم أعرفك حق المعرفة، فضحكت المرأة ضحكة ملكت قلبي ونفسي.

طابت لي المرأة وبهرتني بحديثها المقنع وأنوثتها الفاتنة، ثم أمسكت يدي وشبكت أصابعها بأصابعي، فنظرت حولي عل لم يرنا أحد، فقالت بصوت الواثق: هل تخشى هؤلاء؟ فقبل أن أجيب أشارت بيدها إلى موضع قلبي فاختفى من عيني ركاب القطار، لم أر غير نفسي ونفسها، أشتد إعجابي بهذه المرأة، ولا أنكر إنها أسرت قلبي وأصبحت عبدًا لها، فعلت كل شيء لأجلها، لم أستطع أن أرفض لها مطلب، أصبحت كالمسحور، تآكلت لحظات العمر في حضرتها، اشتد انجذابي لها، واشتد تنافرها مني، تغيرت كليًا، كل شيء فيها تغير، رجع وجهها كما كان بل ازداد قبحًا، اختفى ما جذبني إليه، إنها ليست هي، تباعدت المرأة مسرعة حتى ضاعت في الزحام، بحثت عنها بين تلك الأجساد المكتظة فوجدتها تتحدث مع إنسان غيري، حاولت الوصول إليها لعلها ترجع لي لكن لا جدوى، بدأت أشعر بالزحام، بشدة الحرارة، بدأت أستمع لتهامس من حولي يقولون: انظروا إلى هذا الرجل الذي لم يحترم شيخوخته، تعجبت لحديثهم وحدثت نفسي قائلاً: يا إلهي! أمثلي يوصف بهذا الوصف؟ هؤلاء الناس يقصدونني بهذا الحديث،؟ لكن قد أظهر حديثهم ما كانت عيني تخفيه فلم أرى سوى وجه هرم، وظهر أحدب، وصحة تلاشت، وجدت نفسي كهل وقد بلغت مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّا. فجأة سمعت صوت غليظ ينادي باسمي، الصوت في أذني كالصرير، الصوت يكرر اسمي مرارًا دون أن يمل، سألت من بجواري عن مصدر الصوت لكن لا أحد يسمعه سوى أنا، ملكني القلق وارتعشت أطرافي، وضعت يداي على أذناي لعلي أمنع ذلك الصوت لكنه كان الأقوى، أصبحت كالمجنون أصرخ قائلا: اكتموا هذا الصوت، ارحموني، توسلت للجميع، فينظروا إلىَ بشفقة قائلين: ليس لنا حيلة. اقتحم ذلك الصوت كل عضو في جسدي، تزداد غلظة الصوت مكررًا قائلاً: حان وقت الرحيل.. حان وقت الرحيل، أيُّ رحيل يقصده ذلك الصوت؟ نظرت إلى المرأة أتوسل إليها أن تساعدني فلم أرى منها سوى ظهرها، ناديت عليها بملء فمي لكن تجاهلت صوتي. أفسح لي من حولي حتى رأيت الباب مفتوح، وأتى بعضًا من أهلي يبكون ويحملوني لخارج القطار..

اظهر المزيد

بهاء الحسيني

كاتب وناشر، والمدير التنفيذي لدار بوك هاوس للنشر والإعلام، ومؤسس موقع كُتُب وَكُتَّاب "منصة إلكترونية ثقافية متخصصة". حاصل على دبلومة الإعلام الرقمي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية والرقمية، واجتاز العديد من الدورات التدريبية في الصحافة من مؤسسة طمسون، ومبادرة جوجل للصحفيين.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى