مقالات

الكتابة.. ذلك الشغف الموصول

كتب: عمر سامح

عمر سامح
عمر سامح

لماذا أكتب؟ عندما بدأت التفكير في هذا السؤال، إذا بسؤال آخر يقفز إلى ذهني ويتردد في خاطري دائمًا: “ومَن سيكتب إذا وجد أي شيء أفضل ليقوم به؟”
بايرُون معه حق تمامًا. من الصِغَر وأنا لا أجد أفضل من الكتابة لأقوم به، هل لأن الأشياء الأخرى الهامة لا تصلح لي؟ أم لأني لا أصلح لها؟ أم لأنه لا توجد أشياء هامة ممكنة أصلاً؟ أم هو الإدراك الفطري أن الإنسان حين يجد نفسه في الحفرة، لا يتبقى له إلا الغناء؟ لا أعرف.. كنت في السابق أنساق وراء دوامات مثل تلك الأسئلة التي لا طائل منها، ثم تحررت منها شيئًا فشيئًا.
ما أعرفه، أنني مُنذُ سِن مبكّرة اخترت الكتابة أو اختارتني، دون أن يتدخل أحد في ذلك، لا بالمنع ولا بالتشجيع، لا بالنصح ولا بالتحذير، وحدي اخترت ذلك الطريق واتجهت إليه، ووحدي خطوت وسِرتُ فيه، ووحدي تحمّلت وطأة الاختيار. وحدة دائمة قد تكون هي الدافع الأهم لاختيار الكتابة من الأصل!
بدأت من محطّة الشِّعر. كتبت أول قصيدة بالفصحى في سن الثالثة عشر، تلَتها محاولات بدائية خجولة في ذات الاتجاه، تدريجيًا أسرَتني موسيقى الكلمات، حتى أنني في المدرسةِ كنت أكتبُ مواضيع التعبير مسجوعة! وفي حصة الرياضة حين ينطلقُ زملائي من الأسْر إلى الكُرَة، أجلسُ مع مدرّس اللغة العربية على المدرجات أستطلع رأيه فيما كتبت، والحقّ أن الرجلَ كان يُبدي استحسانًا كبيرًا وانبهارًا شديدًا – لا من مستوى الكتابة طبعًا بقَدر ما هو من الموقفِ ذاته!
حين بدأت بعدها بسنوات الاحتكاك بدوائر أدبية، تلقّيت أول وأهم صدمة في طريق الكتابة، حين قرر الشاعر “الكبير” (سنًا لا قيمة) في إحدى الندوات التي دُعيَّ إليها، أن يمارس تسلّطه الأدبي على شاب ناشئ التجربة حديث العهد بالكتابة، مايزال في بداية المرحلة الثانوية. طاخ طيخ، بالاسم وباللكمات النقدية الفخيمة وبلا رحمة. رد الفعل كان الخطأ النموذجي كما يقول الكتاب. لملمت الأشلاء المتبعثرة وانسحبت، اعتبرتُ أن المسألة انتهت. خلاص. حتى الكتابة لا أصلح لها. انقطعت عن الحضور والكتابة.
بعدها بسنتَين، أدركت أن ما قمت به هو عبث يفوق عبث ما تفوّه به صاحبنا المتشاعر. من يومها (أي منذ حوالي خمسة عشر عامًا) عاهدت نفسي ألا أتخلى عن الكتابة أبدًا، إذ أدركتُ أيضًا أن ذلك ليس عبثًا فقط، لكنه ببساطة تخلٍّ عن الكثير القليل الذي لا أملك غيرَه،جنونٌ ضار وغبيّ، الإقدام عليه هو الخسران المبين.
صُحبتي في رحلة الكتابة كانت وجهها الآخر، القراءة. مِجدافان عفيّان وفيّان، على قارب صغير، يشقّ طريقه ببطءٍ ووحدةٍ وهدوء، في مياهٍ عكرة،عميقةٌ، ثقيلة، لا تغري بالسباحة، ولا حتى بالنظر.
من الفصحى إلى العامية، ومن قصائد طويلة إلى رباعيات، ومن الشِّعر إلى النثر إلى السرد، ومن الوطن إلى المجتمع إلى الذات، سبَحتُ مع القارب الخشبي، واثقًا في حدس المجدافَين، متلمسًا اتجاهَ الريح، متتبعًا لشعاع الشمس البعيد، قانعًا بما سيصلُ إليه القارب، وحتى إن لم يصل إلى شيء فلن يغير هذا من أمر القناعة شيئًا.
إذًا لماذا أكتب؟ لا أكتب لإزالة الوجع أو التخفيف منه أو التعالي عليه، وإلا لا كنتُ ولا كانت الكتابة! إنما أكتب لتوثيق الوجع وإعادة تشكيله ورسم خريطته، ولو بنزف الدماء قطرة قطرة. أكتب لأقيم الجسور المستحيلة مع مَن لا سبيل إليهم، أكتبُ لأجد الجمال بعد أن وجدتُ العدَم – كما قال مالارْمِيه، أكتبُ لأحاورَ أسئلة لا إجابات، أفكارًا لا أشباحًا. أكتبُ لأفهمَ ما أراه في المرآة وما لا أستطيع أن أراه فيها. أكتب لأقول ما أتمسك به ثم أتمسك بما أقول، كتابة لا مهادنة فيها ولا مواربة ولا أنصاف حلول، أكتبُ للتصالح مع الانكشاف، والانتصار للشغف، والسعي إلى الضَوءِ لا العتمة.
أكتب لأنني أحب الكتابة، وأحب من يؤمنون بها ويُقبلون عليها ويدخلون من بابها الضيّق إلى فضائها الرحب، مستسلمين لإغوائها، راقصين على إيقاعاتها، قابضين على جمرها مستعذبين لثمارها.
أكتب لأقول لبعض هؤلاء وغيرهم، ما تنطق به شفاهُ عموم الناس لبعضهم البعض كل يومٍ هنا وهناك آلاف الآلاف من المرات، بلا تفكيرٍ وبلا انقطاعٍ، بلا هواجس ولا محاذير ولا معاناة كانت، بينما قد يمرّ العمر دون أن تُفلحَ هذه الكلمة في الإفلات من طيّات روحٍ متشابكة الأغصان، وتحطّ كعصفورٍ حُرٍّ صغير، على كتف مَن تشتاق إليه.
أكتب، لأقول كلمة المحبة.
لأقول لمَن أُحب ما يراهُ في عينيّ ولا أراهُ في عينَيه، ما أشفقُ عليه منه ولا يُدرك هو عواقبُه. أكتب ليصلَ إليه ما أقول، دافئًا لطيفًا لا محرقًا مستعرًا. أكتبُ ليتوهّمني أقول لِغَيرِه البعيد المجهول بينما أنا أقول له هو القريب المعلوم – نعَم هو، دونَ غَيرِه في الوجود:
“أحبّك، بأعمقِ ذرّةٍ في الكيان. أرجوك، إقبَلنِي، اجعلني كخاتمٍ على قلبك..”

وحدها عندي الكتابة رفاهية الجنون، وجناح الطائر، وفرصة العشق. وحدها نارٌ مقدسة تحرقني لأعيش، وأجد في ما أعيشه معنىً وجدوى، فكيف إذًا لا أكتب؟

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى