مقالات

“واحة الغروب”.. تجسيد روائي لحالة فنية مكتملة العناصر

كتبت: أميرة غريب

رواية واحة الغروب الصادرة عن دار الشروق سنة 2008 للروائي المصري الكبير “بهاء طاهر”، والتي تم تجسيدها وتحويلها لمسلسل تليفزيوني في رمضان 2017 العمل من إخراج المتميزة “كاملة أبو ذكري” سيناريو وحوار “مريم نعوم وهالة الزغندي” ومن انتاج شركة العدل جروب.
تدور الأحداث حول الإحتلال الإنجليزي لمصر في 15 سبتمبر من عام 1882 من القرن التاسع عشر حيث نجحت قوات الاحتلال البريطاني في هزيمة أحمد عرابي في معركة التل الكبير ودخول مصر.. ويصف فيها “بهاء طاهر” بخطوط درامية متوازية مع تعدد الأصوات الداخلية للشخصيات كيف كان لهذا الاحتلال وهذه النكبة من أثر على قوى الأفراد والمجتمع النفسية بتسليط الضوء على بطل الرواية “محمود عبد الظاهر” الضابط المصري الذي كان عليه أن يخالف الحقيقة حتى يستطيع أن يكمل حياته المهنية فباتت تلك الكذبة ثقيلة عليه، مشوهة لأعماقه حتى قادتنا الأحداث للوصول به وزوجته الأيرلندية “كاثرين” في رحلة قاسية في قلب الصحراء “واحة سيوة”.
“ها هو بستان الروح.. الصحراء، جنة الأنبياء والشعراء.. إليها يفر كل من يترك الدنيا لكي يجد نفسه، فيها تورق الأنفس الذابلة وتزهر الروح، ولكن لماذا لا يحرك شيئًا في روحي هذا البستان الأصفر سوى الغضب.. صور تغزوني وتوقظ كل الماضي، كل الأحياء، وكل الراحلين”.
اللغة السردية الإبداعية للرواية تجسدت على الشاشة فأخرجت عملًا فنيًا مكتملًا، حيث استطاعت الصورة خلق معادل بصري لما هو مكتوب، تعدد الأصوات الداخلية في الحوار للشخصيات المحورية والتي تدور أحداث الرواية حول ما تبقى لهم من ذكريات وما تبقى لهم من شقاء الماضي واعتلال الحاضر فاتفق تجسيد النص على الشاشة مع الخطوط الدرامية العريضة للنص بشكل ابداعي ومنهجي بتوظيف كامل لكل عناصر العمل من إخراج وتصوير وإضاءة وموسيقى وحوار.
كما حرصت المخرجة المتميزة “كاملة أبو ذكري” في العمل على التصوير الدقيق للجانب النفسي للأبطال وتجسيده بشكل مذهل بما يتفق مع منطقية الأحداث وتتابعها حيث أبرزت تفاصيل الشخصيات بصورة متعددة الزوايا، شاملة للماضي والحاضر وربما صوت المستقبل أحيانًا.
ما بين خصوصية ما يشتعل داخل النفس ومجرى الأحداث جاء العمق في الحوار للسيناريست “مريم نعوم” و”هالة الزغندي” حيث أجادتا بدورهما تصوير الثغرة الزمنية والسقطة النفسية التي سقط فيها كل أبطال العمل على حدى، فكان التناقض بين الشخصيات وبين معتقداتهم المترسبة بداخل كل منهم صوت ينافي الآخر ويبحث عن مخرج أو ربما معبر للوصول إلى الآخر.. كون خسارات الماضي سببًا في الاستسلام للحاضر، سببًا في نزيف الروح وعدم القدرة على تقبل هذة الفوضى على نحوٍ ما، فالكل يطارده الماضي ويسحقة الحاضر ليعيش ضعفه بقوة.
أحاطت “أبو ذكري” الأحداث الكائنة بواحة سيوة شيئًا من التميز للسياق الدرامي وعملت على خلق صورة منفصلة متصلة عن الحدث الرئيسي فكان للخطوط الرئيسية في الشخصيات أبطال الواحة القدرة على تحفيز العمل والانتقال به من موضع القص والإخبار إلى موضع التفعيل والتجسيد.. الأجواد “الشيخ يحيى” كبير الغربيين، “الشيخ صابر” كبير الشرقيين.. “مليكة ” الغولة وإسقاط متتابع على الحدث موضع النص في إطار اجتماعي وسياق درامي خاص جدًا بالعادات والتقاليد والتاريخ السري لأهل واحة سيوة.. كما أضافت “نعوم” شخصيات جديدة على مجرى أحداث النص كضرورة لخلق المعادل البصري للعمل الذي يتم تجسيدة بصورة مرئية كاملة لا تسمح للمتلقي بتلفيق حالة من التخيل أو التوقع..
“يجب أن ننتهي من كل قصص الأجداد، ليفيق الأحفاد من أوهام العظمة والعزاء الكاذب.
سيشكرونني ذات يوم، لابد أن يشكرونني..
بهذه الكلمات الثقيلة أنهى “محمود عبد الظاهر” الظابط المصري حياته ومعاناته التي تجسدت عارية ومفزعة في أحداث النص المكتوب والمرئي والتي كانت بمثابة طلقة رصاص خرجت من أعماق نفسه مصوبة في وجة الحقيقة والتي باتت مخيفة ومفزعة في تلك الأحداث التي عاشها البطل من صراعات نفسية أبرزتها فترة تاريخية من التحولات السياسية القاسية والتي وصفها بخنجر في صدر الوطن وكانت الخيانة فيها لغزًا استعصى فيها البطل عن إيجاد جواب أو معنًا له فوصف المصريون متعجبًا ومستفهمًا “اسأل نفسي طوال الوقت عن الخيانة. لماذا خان الباشوات والكبار الذين يملكون كل شيء؟! ولماذا يدفع الصغار دائمًا الثمن – يموتون في الحرب ويسجنون في الهزيمة بينما يظل الكبار أحرارًا وكبارًا؟ وسألت نفسي: ولماذا يخون الصغار أيضًا؟ ”
كان الاحتلال في هذا الوقت سطوة استعمارية قاسمة لظهور ونفوس الشباب ممن آمنوا بالثورة العرابية وضرورة الوقوف في وجه الاحتلال، كانت نقطة تحول قادت الشعب من العزة والكرامة، إلى الضعف والذل والمهانة والاستبداد..
انتهت أحداث العمل الدرامي بتجسيد مخالف بعض الشيء من حيث الشكل لا المضمون للنص حيث كانت الواحة هي غروب وانتهاء لكل الصراعات الكائنة في أبطال العمل واستطاع كل منهم الظهور أمام نفسه عاريًا مستقبلًا ومتقبلًا للنهاية التي أرادها هو أو أرادته هي. حيث استطاعت المخرجة خلق نوع من التعبير المنطقي لنهاية الأحداث والتي بات فيها الاستنتاج والمنطقية متلازمتان للعمل طوال حلقات العرض..
وفي النهاية نجد أنه من أجل الانتقال من النص المكتوب للعرض المرئي فإنه توجب على صناع العمل خلق رؤيا خاصة ومعالجة درامية معقدة التفاصيل لم تخرج تلك الرؤيا عن إطار التجويد والتقديم بشكل إبداعي للمتلقي المشاهد والذي لابد وأنه يختلف كليًا وليس بالضرورة عن المتلقي القاريء.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى