مقالات

ما فعلته بنا دراما “الناس العُزاز”

كتبت:شيرين سامي

شيرين سامي

أعجز تمامًا عن حل شفرة الأفكار المعتادة عندما تأت في أثواب جديدة فتجذب الناس كل مرة. الأمر يشبه أن تسمع قصة تعرفها جيدًا بصوت مغني على أنغام ربابة، أو على طريقة درويش يلف الشوارع. فتنصت لها كل مرة، ربما هذا ما فعله مسلسل “لأعلى سعر” الذي عرض قصة سمعناها، قرأنها، وأحيانًا عشناها مرارًا، ومع ذلك حرصنا على متابعتها، ربما لأن الناس تجذبهم مشاهدة حيواتهم على الشاشة، فالبطلة هنا تشبه العديد من النساء. والعلاقات بسيطة وقريبة من الواقع، بعكس المسلسلات التي تقدم حكايات طبقية، برجوازية، معقدة أو منفلتة عن سياق حيوات الأسر العربية المتوسطة.
وهذا ما أدى إلى أعلى نسب مشاهدة رغم الرسائل المغلوطة والشخصيات غير الناضجة والأحداث المسلوقة غير المنطقية. ورغم نقد المشاهدين السلبي عادةً، والذين تبدأ آراءهم دائمًا على مواقع التواصل بجملة “أنا ماليش في المسلسلات والنقد، لكن من مشاهدتي لمسلسل.. لاحظت.. واستنتجت”.. لكن هذا يؤكد نجاح المسلسل رغم كل شيء.
يلعب المسلسل على رسائل معتادة، وتيمات محفوظة، من الخيانة والخذلان، وانسحاق شخصية المرأة بعد الزواج في حياة زوجها، وتجاهلها لذاتها وحتى عدم افصاحها عن مخاوفها وعدم مصارحة شريك حياتها بها، مرورًا بخطوات البحث عن الذات وتحقيقها كأي (سترونج اندبندنت ومان) كما هو المصطلح الدارج. لذلك هاجمه البعض لأنهم اعتبروه نوع من الأدب النسائي-لو كان لنا أن نصنف المسلسلات الرمضانية وفقًا لتصنيف الأدب لدى بعض المثقفين- لذلك نال نصيبه من سخط بعض المشاهدين لأنه يدور في دائرة الخذلان التي تندرج تحت الضعف والخنوع، وهذا في رأيي نوع من دفن الرأس. لأن الخذلان يستحق الإبداع المتكرر، لأنه موجود ومؤثر وإنساني.

أما عن الأخطاء التي وقع فيها العمل والتي تؤكد على سلبيات المجتمع دون أن تراجعها أو تنقدها، تتمثل في خمس نقاط:

  1. ارتداء البطلة للنقاب ثم خلعه. أتفهم الصدمة التي كان ينشدها صناع المسلسل في مشهد جميلة بالنقاب عقب سنوات من زواجها وهي راقصة البالية الفاتنة. لم يضعوا للمشاهد أي مبررات لارتداءه، كان الأوقع أن ترتدي الحجاب، أو أن يتم الإشارة أنها رغبة الزوج إمعانًا في إظهار تناقد الرجل في التعامل مع زوجته وباقي النساء. لكن أن ترتدي امرأة وفق إرادتها الحرة النقاب دون وازع ديني أو مجتمعي كنوع من الاختفاء أمر غير منطقي بالمرة.
  2. أكلاشية المرأة الخائنة والرجل البريء. لعب المسلسل على هذا الوتر مرتين. مرة بجعل هشام البطل، ضحية امرأة لعوب، ذكية، استطاعت أن تفسد حياته بينما هو رجل نبيل! ومرة أخرى مع عبد الله وعبلة، الزوجة الخائنة التي يلفظها المجتمع ويحكم عليها باستحقاق القتل والإقصاء، مع إنكار طلبها المتكرر للطلاق من رجل ضعيف جنسيًا أخفى عليها حقيقة عقمه، بينما عبد الله شريك الخيانة يخطب طبيبة صغيرة ويعيش سعيدًا آمنًا!
  3. أكلاشية الزوجة الثانية. يجب أن تكون لعوب، مكارة، أنانية، ومع كل محاولاتها لمساندة زوجها وتحسين حياته في العمل والبيت ورعاية ابنته، يجب أن تتغير فجأة في النهاية. في حين انتظرت نموذج غير تقليدي، أقرب للواقع، راح صناع المسلسل للطريق الأسهل، فأصبحت شخصية “مهروسة” في أعمال عديدة سابقة.
  4. رداءة فكرة التأثير الشكلي. هل حقًا في هذا الزمن مازال إصرار الدراما على تأكيد أثر الشكل الجسدي على العاطفة والمعاملات؟ إنها الرسالة الأكثر تخلفًا التي مرت عليا في الدراما، أن تكوني على طبيعتك، بدون زواق، بجسد أم، وزن زائد، وثياب عملية، فأنت بالتأكيد ستخسرين حب زوجك وأهلك وحتى ابنتك! أما عندما تصبحين في قوام راقصة بالية فستستعيدين محبتهم جميعا. حقًا؟! هل هذا ما نريد اطعامه للمجتمع؟ ما يحدث أن الخائن لا ينتظر مبررات، أجمل النساء عادةً هن من خذلهن الرجال، وليس أقبحهن.
  5. والآن مع أسوأ نهاية على الإطلاق. يجب أن تنال ليلى عقابها حتى يرضى المشاهد. وقرر صناع المسلسل أنها تستحق الذبح، في الأوبرا، في يدها سكين أرادت أن تطعن بها جميلة! ليلى الذكية الطموح تزجي بنفسها في السجن لأجل الانتقام! وطليقها يرمي بنفسه لحبل المشنقة لأجل الانتقام! لماذا لم يشيروا لعطب نفسي عندهما حتى يصبح الأمر مفهومًا؟ وهشام فجأة رجل نبيل! علينا أن ننسى سرقته لرسالة الدكتوراة، وسرقته الشقة من زوجته ورميها في الشارع، رفضه دفع مصاريف ابنته المدرسية، وتشويهه لسمعة أمها أمام القضاء، شهادات الزور والرشاوي، محاولة تدمير خصمه بالكذب والتلفيق. ماذا نذكر إذًا؟ إنه رجل وسيم وأبو البنت وهو أولى بجميلة من غيره. تمنيت أن تنتهي القصة بامرأة قوية متحررة من ضغوط المجتمع، تشق طريقًا استغنت فيه عن كل شيء. لكن في الحقيقة هي لم تعتمد في حياتها سوى على الرجال، والمكان الذي وفره لها حبيب قديم وضعته في الـ “فرند زون”، لتدرب البالية. بعد محاولات ساذجة للانتقام، ترقص في النهاية رقصة الانتصار أمام كل الناس العزاز. فقط لإرضاء المشاهد المحروق دمه على مدار عشرون حلقة. بينما الحقيقة أن رغبتها في العودة لأبو البنت تلغي كل شيء وتشجع الناس على الاستمرار في العلاقات الخاطئة!
    هذا المسلسل نموذج جيد للقالب الجذاب الممتلئ بمفاهيم مشوهة.
اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى