مقالات

“محمّد سليمان”.. من روايات المراهقين إلى حضن النّجوم

كتب: أدهم العبودي

أدهم العبودي.

استطاع السيناريست والرّوائي “محمّد سليمان عبد المالك” أن يبرز خلال سنوات قلائل، لا سيما في كتابة السيناريو، ويبدو المتتّبع لمشروع “محمّد سليمان” –أو الرّاصد المهتمّ- قد يشغله أكثر من أيّ تساؤل؛ التساؤل الأكبر: كيف استطاع هذا الشّاب أن يقطع شوطًا طويلًا بهذا الشّكل، من التحقّق والتراكم، من اللا شيء تقريبًا، بلا وساطة ولا محسوبية، بمعنى أدقّ؛ من روايات للنّاشئة، خصوصًا أنّ كثيرين بدؤوا بدايته ولم يحالفهم حظّ التحقّق أو استكمال الطّريق بمثل هذا الدأب؟

في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم، تحديدًا في عام 1999، انضمّ “محمّد سليمان” لقافلة “المؤسّسة العربية الحديثة”، بالأدق؛ سلاسل “روايات مصرية للجيب”، التي عرفناها وارتبط بها جيلنا من خلال د. “شريف شوقي”، ثمّ د. “نبيل فاروق” ود. “أحمد خالد توفيق”، بالطّبع لن نتساءل تساؤلنا الماكر بشأن وقوع المؤسّسة العربية الحديثة على الأطبّاء دون غيرهم، إلّا فيما ندر، إذ يبدو أنّ طبيبًا لم يزل يدرس في كليّة “الطّب البشري” سينضمّ لكتّاب المؤسّسة، وسيُذكر اسمه جوار طبيبين عرفهما العالم العربي كلّه وصارا نجمين حقيقيين، أولهما د. “نبيل فاروق”؛ صاحب أشهر شخصية مكتوبة في تاريخ أدب النّاشئة، وهي شخصية “أدهم صبري”، أو “رجل المستحيل”، وثانيهما سيمنحه القرّاء لقب “العرّاب”، وستقوم الدّنيا، ولن تهدأ، وسيتّهمه كثيرون بشُحّ الإبداع، وسيتّهمه آخرون بأنّ اللّقب المزعوم لاقى هوىً في نفسه، في النّهاية سيظلّ د. “أحمد خالد توفيق” حالة لم تُحدث، ليس على مستوى الإبداع، بل على مستوى الجدل المُصاحب لما يكتبه، سواء رواياته للناشئة، أو التي أعاد طبعها وصدّرها للجمهور كروايات تجاوزت مراحل سنيّة بعينها، أو مقالاته التي يكتبها في مواقعٍ وجرائد مختلفة.

في النّهاية؛ سنجد واحدًا ممّن قدّمهم، يشقّ الطّريق في رويّة، ويحفر اسمه دون صخبٍ ولا ضجيج، ويكتب في سلاسل روايات مصرية للجيب أدب المغامرات للنّاشئة، وهو الأدب التجاري الذي يجتذب عددًا كبيرًا من القرّاء، ليبزع اسم “محمّد سليمان”.
لكن سرعان ما يتمرّد “محمّد سليمان” على هذا النّوع من الكتابة، ويخلع الثّوب ليُمارس شغف كتابة “السيناريو” عبر الوِرش المختلفة، وِرش “السِيت كوم” والمسلسلات الإذاعية، ومرّة يشتغل في الصحافة الفنيّة، ومرّة في “كوميكس” الطّفل المصوّرة، حتّى يُفتح له الباب أخيرًا.

بعد عشر سنوات تقريبًا قضاها “محمّد سليمان” في أحضان المؤسّسة العربية الحديثة، يكتب أدب المغامرات والناشئة، يوضع اسمه بين كبار كتّاب السينما، بالفيلم الشّهير الذي أثار ضجّة كُبرى وقتذاك، عام 2009، وهو فيلم “عزبة آدم”، إذ لم نزل نذكر الزّحام أمام شبابيك التذاكر، والسينمات “الكومبليت”، والمقالات التي تهاجم، والمقالات التي تدعم، وضجّة هناك، وزخم هناك، حتّى اطمأن “محمّد سليمان” إلى أنّ اسمه بات مصكوكًا بصكّ النجومية الحقيقية، نجومية الشّاشة، لا نجومية الأوراق.
واتّجه بعدها إلى قلوب النّاس الحقيقية، أولئك الذي لا يزورون العواصم ولا المدن، ولا يعرفون عن السينما غير إعلان على الشّاشة الصّغيرة أو خبر في جريدة، واقتحم موسم الدراما الرمضانية بمسلسل “القطّة العميا” عام 2010، ورغم أنّ المسلسل لم ينجح نفس نجاح فيلم “عزبة آدم”، إلا أنّ “سليمان” بعدها بعامين تسيّد الشّاشة الصّغيرة بمسلسل “باب الخلق” للرّاحل “محمود عبد العزيز”، وها قد انتقل إلى حضن أحد أهم نجوم الدّراما العربية، ولاقى المسلسل نجاحًا مدويًّا، ليُباشر التجربة لعامين متتالين، إحداهما مع نجم لم يكن اسمه مطروحًا على الشّاشة الصّغيرة، وهو “يوسف الشّريف”، بمسلسل “اسم مؤقّت” في 2013، وقد حظي المسلسل بنسب مشاهدة عالية، نظرًا لاختلاف محتواه وفكرته وحبكته عن كلّ المعروض آنذاك، ومن بعده توالت النجاحات من مسلسل “فرق توقيت” في 2014، للفيلم الذي حقّق أعلى إيرادات في عام 2015، وهو “شدّ أجزاء” مع النّجم “محمّد رمضان”، ثمّ مسلسل “وعد” عام 2016.

في هذا العام يطلّ علينا “سليمان” بأحد أهم مسلسلات “رمضان”، وهو “الحصان الأسود”، مع أكبر وأهمّ نجم عربي، “أحمد السقّا”، يعود بنا “سليمان” في هذا المسلسل للحبكة التّشويقية، والتكنيك المعقّد، وإن بدت الفكرة تقليدية، إنّما يده الماكرة استطاعت أن تنسج خيوط الحكاية بمهارة شديدة، وتعقّد الأحداث وتربطها، ثمّ تفكّها في سلاسة.

والذي لا يعرفه كثيرون أنّ “سليمان” أعاد نشر روايتين له مع دار “الكرمة”، وهما “حياة جديدة” و”إخوة الدّم”، وقد راجا رواجًا معقولًا وسط شريحة قرّائه الأساسيين، شريحة المؤسّسة العربية الحديثة، بل واجتذبت روايتاه شرائح أخرى من القرّاء.
نحن إذًا أمام حالة من النّجاح الحقيقي، النّجاح الهاديء، المبني على مهل، النّجاح الذي لم تصاحبه لا آلة إعلامية ولا آلة صحافية ولا “أولتراس” قرّاء.

“محمّد سليمان” الذي وثب من روايات الناشئة إلى حضن النّجوم بدأب يُحتَذى به.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى