مقالات

“مسك التل” سحر الموجي

كتبت: سمر علي


سمر علي

(١)
قرأت الرواية مرتان. الفارق بينهما أسبوع. رغبت في الكتابة عن تلك الرواية منذ اللحظة الأولى. أحاول الآن أن أسيطر على مشاعر متداخلة، عشر سنوات مرت على أخر رواية – نون- صدرت للموجي. والآن بعدما أصبح في رأسي شعيرات فضية أمسك بين يداي روايتها الأحدث “مسك التل”. ليس للزمن عنوان في مخيلتي، أي أن الشعيرات البيضاء التي في رأسي ليس لها علاقة بطول المدة بين الروايتين بل في القدرة على تجرع عالم الموجي المخلوق بشكل أعمق. تلك المرة لا تشبه المرات السابقة، فقط ستعلم حين تمسك بالرواية دون أن تقرأ اسم الكاتبة ومنذ الصفحات الأولى ستشم رائحة الموجي وتعرف أنه قلمها. نعم، هي أصبحت مثل زجاجة نبيذ مُعتقة، تزداد حلاوة وقوة كلما مر الزمن. ليس فقط لمرور الزمن، بل كيف اشتغلت على نفسها ككاتبة وإنسانة. النبيذ الجيد يأتي من كرمات عنب ممتازة وطريقة صنع بها الكثير والكثير من الدقة، الحرص والحب. هكذا عاملت الموجي موهبتها وروحها.

(٢)
لا أحبذ في كتابتي عن تلك القطعة الفنية أن أتحدث عن أحداث بناء أو قدرة لغوية وتميز. أو إنني كنت أميل إلى عددًا أقل من الايحالات المستخدمة من الأدب العالمي داخل الرواية. أُفضل أن أتكلم عن أحجار زوايا مستني كقارئة وكشخص يحاول الكتابة والحياة. أخذت نفسًا عميقًا وأنا أقرأ، فأنا أعلم مسبقًا، أن الرواية تحمل سمة الرحلات الروحية. الغوص حتى العظام هو موهبة الموجي الأساسية. التشريح، من أول طبقات الجلد الخارجية تلك الطبقة التي نظهرها للبشر في تعاملاتنا الاجتماعية ثم طبقة الدهون فوق العضلات، تلك التي تقينا من البرد ثم العضلات، قوتنا الروحية وضعفنا أيضًا، الوعي بقوة عضلات معينة وضعف أخرى وكيفية استخدام هذا والعمل على ذاك لنصل إلى العظام… الصفاء الروحي. في مسك التل، نغوص في تلك الرحلة، بطبقات عدة سواء أفقية أو رأسية مع ثلاث شخصيات رئيسية وهم مريم الطبيبة النفسية المصابة بالاكتئاب، أمينة من بين القصرين- نعم أمينة زوجة سي السيد، وكاثرين بطلة رواية مرتفعات وذرينج الإنجليزية. ثلاث نساء يجدن أنفسهن بحيلة سحرية مع بعضهما البعض. وتتشابك مصائرهم. وبين حكاياتهم وبيوت المنيل والسيدة زينب وبيت السيرينتات تغزل الموجي الحكاية في قاهرة ٢٠١٠.

(٣)
تلك الغلالة الشفافة بين الموت والحياة.
في عذوبة شديدة تنتقل شخصيات مسك التل بين الموت والحياة.
في كتاب كلاريسا بينكولا إستس “نساء يركضن مع الذئاب” تتحدث عن دورة الحياة/الموت/الحياة كرؤية من علم النفس اليونجي. ليس خفيًا أن الموجي متأثرة بشكل عميق بعالم الطب النفسي يونج.
الانتقالات للبطلات بين الموت والحياة تحدث بسلاسة شديدة ونعوم. تتركك متسائلاً هل هذا هو الموت؟ أم تلك هي الحياة؟ هل ما نحياه الآن هو دورة من دورات أرواحنا المتنقلة بين العالمين؟ هل هما عالمين منفصلين بالفعل؟ والأحلام الليلية، هل تضعنا بين العالمين كأن لنا قدمًا هنا وقدمًا غير مرئية هناك تُطلِعنا على أسرار خاصة بنا وبمن نحب برمزيتها الخاصة جدًا؟
حياة أمينة في القرن العشرين في بين القصرين مع السيد أحمد عبد الجواد وعائلتها وحياتها بعد انتقالها لبيت السيرينتات، ذلك البيت الذي رسمته الروائية في حالة بدون زمن ودون مكان، فقط قلعة علي تل يعيش فيها بطلات روايات، هناك نقابل ليلى بنت الباب المفتوح وعزيزة من الحرام وڤيرچينيا وولف الكاتبة والتي بالطبع أصبحت هناك لأنها بطلة رواية “الساعات”… هل هن مجتمعات هناك بعد موتهن؟ وإن كانوا موتى، فرقصًا وقراءات وتطورات لشخصياتهم وتراكم لخبراتهم عن طريق احتكاكهن ببعضهن البعض وسماع الحكايات وقراءة مئات الكتب من مكتبة بيت السيرنتات يطورهم ويصقلهم! فكيف هم ميتون؟! ما هو الموت؟ أين يصير من نحبهم بعدما يغادروننا بأجسادهم؟ هل هناك ستارة على أعيينا فلا نراهم على الرغم من قدرتنا على الشعور بوجودهم؟
وما الحياة؟ هل كانت كاثرين حية في مرتفعت وذرينج؟ أم هي حية الآن وهي مدرسة في مدرسة دولية في القاهرة الجديدة تدرس الدراما! وتستخدم الآي باد وخرائط جوجل؟ أم كانت حية في بيت السيرينتات وهي تمطي صهوة جوادها وتجري في التل وتهرب من صوت قصيدة كاميلوت التي تسمعها كنبوءة شؤم!

(٤)
الزمن… دائمًا ما يثير جنوني. لا لست راضية عن تلك الشعيرات البيضاء التي ظهرت في رأسي. ولا أعترف أنني في منتصف ثلاثينياتي.
الزمن في مسك التل تحركه سحر الموجي كفضة سائلة بين يديها. تشكله. تذهب بك في زمن بعيد في عصر رواية العطر، ثم تعيدك إلى غرفة مكتب مريم في بيتها في المنيل. يتم غزل الزمن بشكل متشابك وسلس، بدون عثرات في الانتقال من لحظة إلى أخرى. قد تشعر في بداية الرواية بلخبطة وشعور بالرغبة في العودة للصفحات الأولى للتركيز مرة أخرى. فالنقلات ليست سهلة، ولكن ليس بها مطبات. أحد الآشياء الهامة بالنسبة إلي هي الخروج بأسئلة من تلك الرواية. مثل أسئلة الموت، وجدت سؤال الزمن الذي يشغلني بشكل شخصي يلح عليّ. هنا في تلك الرواية تصبح مسألة الزمن سؤال ضخم يواجهنا. كاثرين بعد مرور سنوات مازالت في الـ ١٩ من عمرها كما ماتت في الحمى من الرواية، وكذا أمينة بضفيرتها الفضية. هل يمكن أن نكون في مكانين في وقت واحد؟ ذلك سؤال طرحته الموجي في شكل درامي يخص الطبيبة النفسية مريم… كيف؟ لا لن أتحدث عن هذا. يجب أن تكتشف بنفسك كيف فعلتها.

(٥)
أحد أهم مميزات تلك الرواية من وجهة نظري، كيف رسمت الشخصيات.
المجهود المبذول واضح وصريح. الأصوات النسائية الثلاثة- سوف أتحدث عن شخصيات الرجال في القطعة القادمة- مميزة جدًا. أمينة، مريم وكاثرين هي شخصيات من لحم ودم، أكاد ألمسهم. أراهم في الشوارع، أشعر أنني سأقابل واحدة منهن في الشارع المصري وأتحدث إليها قائلة “أهلا مريم، سحر حكتلي عنك كتير” ثم نضحك سويًّا وأذهب لأحتسي معاها كوبًا من الشاي المنعنع في شرفة بيتها في المنيل ورائحة بخور المسك تغمرنا. لا أجد هذا كثيرًا فيما أقرأه. الأصوات حادة التميز، ومما زاد ذلك هو تلك الفصول التي تكتب بصوت أمينة -ليست بصوت الراوي الشفاف كبقية الرواية- بلهجة مصرية عامية شديدة الجمال والقوة، لماذا لا توجد روايات كاملة بلهجتنا المصرية؟ لا أعلم. سخرية مريم، حيرة ويقين أمينة، تمرد ونعومة كاثرين. الشخصيات في مسك التل لها رائحتها المميزة، مثل الشخوص في حيواتنا.
يوسف، هو شخصية الرجل في تلك الرواية. أدرك أنه من الصعب جدًا أن يتم كتابة صوت رجل في رواية من قبل روائية والعكس صحيح. في رواية نون تكلم الكثير عن شخصية حسام وكيف إنهم شعروا أنه “رجل طري”، في مسك التل، صوت يوسف أكثر قوة وأوضح كرجل. أي أنها قد تفادت ذلك المطب بحرفية. لم أشعر للحظة سوى في لحظات قليلة في منولوجه الداخلي أن ذلك الصوت ليس صوت رجل.

(٦)
أتت تلك الرواية في وقتها المضبوط بالنسبة إليّ، فيما أصارع أفكاري الخاصة بماهية الموت والزمن بعد وفاة أمي منذ ثلاث سنوات والنصف. سلكت طرقًا كثيرة للشفاء من الوجع. في مسك التل، وجدت طريقًا لبدايات الفهم. الرواية جعلتني أختار روحي والوقوف على جانب الأسئلة وفتح الأبواب المغلقة وتنفيض التراب ونفض الخوف بدلاً من الوقوف على ضفة الإنكار ودفن رأسي في الرمال. وكما وجدت في نون شعوري بالانتماء لذلك العالم. وجدت في مسك التل أولى خطواتي في عالم جديد. مرة أخرى بعد عشر سنوات تصبح كتابة الموجي منفذًا بهيًّا للخلود بين الكلمات. كالتعاويذ السحرية القديمة قدم الزمن أقول للموت “لا ليس اليوم يومك، لا الآن ولا غدًا، ومدد يا أم هاشم، مدد يا سيدنا الحسين مدد”.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى