مقالات

هذا المساء

كتب: شريف ثابت

النجاح الّذي حققه مُسلسل “هذا المساء” لا يعود مَرجعه فقط إلى جودة صُنعه ولكن إلى روافد عِدة، منها الفني ومنها المُجتمعي ومنها الإنساني. لتصوُّر حجم التغير الهائل الذي طرأ على المُجتمع المصري، شكله وثقافته وعلاقاته، جرّاء تغلغل تكنولوجيا الاتصالات والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، جرب أن تسأل نفسك إن كان بالإمكان صُنع مُسلسل مِثل “هذا المساء” قبل خمسة عشر عام أو حتى عشرة أعوام. (أغلب من تابعوه أصلاً شاهدوا الحلقات على موقع يوتيوب)
البَراح الافتراضي فتحَ مجالين مُهمَين لمُستخدِم الإنترنِت:
– مجال لإعادة رسم صورة شخصية افتراضية له يصنعها على عينه ويتلافي بها ما يؤرقه ويفتقده في شخصيته الحقيقيّة، تُلبي له الحاجة للإشباع والتحقق وتقدير الذات والّتي لا تُلبيها إمكاناته الحقيقيّة على أرض الواقع. الكل على الواقع الافتراضي ذكي ونضيف وبطل وشجاع ولاذع ودمه خفيف وباد آس وسكسي إلخ. والتلبية السهلة غير المُكلِّفة لهذه الحاجات الإنسانيّة المُلِحة دفعَت المُستخدمين للتغوُل في هذا المذهَب بشكل هيستيري أدى لانفصام كامل بين الشخصية الحقيقية والشخصية الافتراضية.
– مجال للتحرر من القيود المُجتمعيّة والأخلاقيّة المفروضة على العلاقة بين الجنسين داخل صناديق الرسائل الخاصة على فايسبوك وواتساب وغيرهما. أطلقت السريّة والخفاء ما كان مكبوتاً من غرائز ومشاعر بفعل رقابة المُجتمع والّتي هى أقوى من أى وازع ديني أو أخلاقي، فانفتحَت الأبواب كلها على مصراعيها أمام الجميع للدخول في علاقات افتراضية متفاوتة الدرجات بغض النظر عن مشروعيّتها، كتوطئةً لانتقالها في كثيرٍ من الحالات من العالم الافتراضي لأرض الواقع.

نَجَمَ عن هذا أن صارت الهواتف الذكيّة والحواسيب اللوحيّة بمثابة أقرب الأقرباء وأخلص الخُلصاء، مما أنتج ماتريكس حقيقيّة لا مجازيّة غاب داخلها ملايين المُستخدِمين، وقابلتها غُربة فعليّة بالعالم الواقعي، فصار مشهداً تقليديّاً أن تجد أسرة كاملة مُجتمعة في غرفة المعيشة من دون أن يتبادلوا حرفاً واحداً لأن كلُ منهم غائباً بوعيه داخل الفراغ الافتراضي عبر الموبايل أو التابلت المُستقِر في يده، أو تركب مترو الأنفاق لتجد أغلب رُكاب العربة إن لم يَكن جلهم مُنسحبين داخل السطح المُضئ للتاتش سكرين، أو انت نفسك –هنروح بعيد ليه؟!- تصحى الصبح أول حاجة تعملها تفتح الفايسبوك عشان تبُص على النوتيفكيشنز.

هذا الانسحاب العام من الواقعي للافتراضي كان أحد أهم أسباب تَوحُد المُشاهدين وبخاصةً على مواقع التواصُل الاجتماعي مع الأرضية التي تدور عليها الصراعات في مُسلسل “هذا المساء”، لأنها أرضية تجمعهم، وأخطار تتهددهم. وبشكل شخصي، أصابني هِسهِس أن يتعرض هاتفي النقال للهاكينج عند إصلاحه أو صيانته بعدما شاهدت أفاعيل سوني وفياض عجميّة، وهو تأثر بعمل درامي يحدث لي للمرة الأولى في حياتي (!) وأزعم أنه حدث لكثيرين إن لم يكن لكُل من تابع حلقات المُسلسل، والفضل في هذا يعود بالدرجة الأولى لوَعىّ تامر مُحسن، صاحب المشروع، بهذا السلوك المُجتمعي الّذي تشكَل وتفاقم خلال العقد الأخير.
وثمة ملحوظة أحب ألا أتجاوزها مفادها ببساطة أنّ التلصُص وانتهاك الخصوصيّة على مواقع التواصل الاجتماعي قد لا يحتاج بالضرورة لتقنيات الهاكينج، فمُجرَد ملاحظة نَسَق الهَرى الخاص بأحدهم على فايسبوك على سبيل المِثال وطريقة تفاعله مع التريند يُعطي فكرة غالباً ما تكون صائبة عن طبيعة شخصيته الحقيقيّة التي يحاول إخفاءها وراء الشخصية الافتراضية (ما وراء الماتريكس)، دا حكاك، دي مُحبطة، دا تافه، دي وحيدة، دا لامؤاخذة، دي ماورهاش حاجة، إلخ إلخ. الأمر الّذي ربما يُترجمه مشهد سوني بالحلقة الأخيرة إذ ينظر إلى وجهه نصف المُحترق –الّذي أخفى أطباء المُستشفي المرايات من غرفته بالمُستشفى كيلا يصدمه مرآه- على كاميرا الموبايل ويغمغم ساخراً بمرارة “الحمد لله على نعمة الموبايلات الذكيّة.
إختيار أرضية ذات خصوصيّة لمناقشة قضية إنسانيّة هو إسلوب مُعتمَد لتامر مُحسن ظهر بوضوح مُنذُ مُسلسله الفائت “تحت السيطرة” الّذي كتب قصته بنفسه (مُسلسله الأوَل “بدون ذكر أسماء” ينتمي بطبيعة الحال لعوالم مؤلفه وحيد حامد) واتخَذَ من إدمان المُخدرات أرضية لمناقشة الضَعف والاحتياج الإنساني، وكَرره هُنا في “هذا المساء” ليصنع مُجدداً عالماً ذي خصوصيّة امتدَت آثارها للصورة العامة التي اكتسَت رغم واقعية كل عناصرها من ديكور وإضاءة وإكسسوارات وحتى مواقع التصوير، بمسحة من اللامعقولية ناسبَت بالتأكيد أحداث مُمتدة خيوطها بين العالمين الواقعي والافتراضي منها اختيار السنيما العبقري على سبيل المثال. وللحَق فقد عَجَزت عن تمييز إذا ما كانت المشاهد المُصوَرة بالحارة الشعبية قد تم تصويرها في حارة حقيقيّة أم داخل بلاتوه وديكورات مبنيّة، بل وسألت أحد الأصدقاء من العاملين بالدراما فأجابني بأنه لا يستطيع التحديد!.

الشخصيّات دوماً هى مُفتاح نجاح العمل الدرامي والروائي على حدٍ سواء، وهو ما تحقق هُنا بدرجة مشهودة من النجاح. فألبوم المُسلسل يضم مجموعة من الشخصيات مبنيّة بعناية فائقة وبتركيبات خاصة مُختلفة بما يسمح لها بالدخول في علاقات مُركبة وِفقاً لقواعد العالم ذي الخصوصية الّذي تدور فيه الأحداث. شخصيات على اختلافها وتنوعها تجمع بينهما سِمَتين إنسانيّتين رئيستين: الضعف والرماديّة.
الأولى وهىَ الضعف الّذي يعاني منه الكُل، والضعف مبعثه الاحتياج. الكُل رغم مواطن قوته يُعاني من حاجة ماسة قاهرة تدفَع به للتهوُر والدخول في منطقة الخطر:
المستر أكرم قاده احتياجه للاختيار (للمرّة الأولى في حياته) إلى المُخاطرة بزواجه وعمله وعالمه كله والزواج من عبلة. مفاتيح شخصية أكرم تتلخص في إشارات من عينة سؤال زوجته نايلة: هو انا لو ماكونتِش شجعتك انك تتقدملي، كُنت هتتقدملي؟- “كل حاجة كانت بتتحققلي لوحدها”- حديثه حَولَ استبداد أبيه الّذي رسم له مساره.
سوني، وحيد، يقوده احتياجه للحب إلى محاولة الزواج من عبلة تارة، وإلى الضغط على ضحاياه من النساء اللواتي يتجسس عليهُن على الإنترنِت، ليس لممارسة الجنس فقط ولكن للبحث عن عاطفة حقيقيّة تجاهه (والطريف أنه لا يجدها إلا لدى ام عبير!) وعندما يُراهِن على علاقة حقيقيّة شريفة مع تُقى ولا يَجِد منها إلا الإعراض، يَجِن جنونه وينطلق شره ليطال الجميع.
سمير نفسه، رغم أنه على حد قوله “معندوش طموح مُعيَّن، ومش حاسس انه محتاج حاجة مِش عنده”، تدفعه الحاجة لتخفيف عذاب ضميره إثر غلطته القديمة التي تسبب في قتل صديقه حامد لزوجته إثر خيانتها ودخوله السجن.. تدفعه هذه الحاجة المؤلمة إلى رعاية نور –التي ظن لسنوات أنها ابنة شرعيّة لحامد- بل ويمكن اعتبارها دافعاً –إلى جانب جدعنته ورجولته الطبيعيّة- للوقوف إلى جانب تُقى التي تواجه مشكلة ضخمة أساسها تجسساً كالّذي مارسه على زوجة صديقه القديم حامد وتسبب في مأساة مقتلها.
الزَوجين هِند وماجد يُعاني كلُ منهما من الأزمة التقليدية التي يُعاني منها كل أبناء مرحلتهم العمرية (أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات) من إرهاق الشُغل والمسئوليات بعد سنين من الكفاح والمُعافرة أورثَت –إلى جانب التعوُد- فتوراً في العلاقات الزوجية بشقيها العاطفي والحسي، أدى لاحتياج قاهر وجد مُتنفساً في الباب الّذي فتحه العالم الافتراضي.
تُقى موحولة في مُصيبة بسبب ابتزاز فياض لها (وفياض بدوره –رغم انه حيوان- ضحية احتياج جنسي)- عبلة تعيش احتياجاً لزوج وحبيب وحيطة تتسند عليها بعد انفصالها عن زوجها ضاحي (وهو بدوره يحركه احتياجه وحبه الحقيقي لعبلة)- نايلة يُحركها احتياجها للاطمئنان إلى أن زوجها لا يزال يُحبها ومُخلصاً لها.
حتى تريكة، يُحركه احتياجه لرَد اعتباره أمام نفسه بعد أن قرطسته البِت اللي كان ماشي معاها.

السِمة المُشتركة الثانية بين شخصيات المُسلسل هىَ الرماديّة، فكل الشخصيات بلا استثناء تسبح في بحرٍ من الرمادي العظيم، وتضم بين مُكوناتها نِسَب شديدة الدِقة من الخير والشر بغير افتعال ولا أفورة بما يكشف عن وَعى حقيقي مَبني على خِبرة حياتية ومجتمعيّة امتزجَت بالموهبة فأفرزت شخصيات ثلاثية الأبعاد على هذا القدر من الجِدة والإتقان والّذي بلغ الذُروة في شخصية سوني الذي يتحرك بسلاسة من أقصى الشر والنذالة لأقصى طرف الخير والجدعنة كما ظهر في مواضع من المسلسل وتبلوَر في المونولوج الممتاز بالحلقة الأخيرة، الأمر الّذي أتاح لمحمد فرّاج –وهو قاسم مُشترك في كل ما أخرج تامر مُحسن من أعمال بالسنيما والتليفزيون- تسخير قدراته التمثيليّة ليلعَب دور لا يُنسى.
الكاست كله بدون استثناء كان مُبهراً بحق، سواء النجوم كإياد وأروى وحنان أو الوجوه الجديدة وعلى رأسهم المُفاجأتين أسماء أبو اليزيد في دور تُقى ومحمد جمعة في دور فياض.
أما أحمد داود، فهو عمل وراء عمل، وسيزون بعد سيزون، يؤكِد أن نجاحه ليس وليد مُصادفة، وأنّه بالفعل قادر على النفاذ لعُمق حقيقي للشخصية التي يلعبها، وعَكس هذا العُمق بانفعالات حقيقيّة عن طريق نظرة العين ونبرة الصوت. شخصية سمير رغم بساطتها شديدة الصعوبة في تجسيدها لأنها قليلة الكلام، وتحمِل وزراً يثقِل كاهلها، ويتولَد صراع داخلي مُتعدد الروافد في أعماقه بسبب إحساسه بالذنب والمسئولية، ولاءه لأكرم وتلصصه على زوجته، انجذابه لتُقى ونفوره مما رآه في الفيديو الخاص بها، موجات مُتلاطمة من مشاعر الحزن والذنب والغضب والحب، وكل ذلك يَجِب أن يخرج بهدوء من غير أفورة، وبما يتناسب مع بساطة الشخصية والتي أكدتها اختيارات الميزانسين الذكية لثيابه وقصة شعره، لنُصبِح أمام بطل جديد ذو خصوصية، وخصوصيته أنه يشبه أى حَد ممكن تلاقيه ماشي جنبك في الشارع (!). بطل امتُحِنَت بطولته وجدعنته مرة ورا مرّة، وفي كل مرة كان يثبتها، فاستحَق بالفعل أن يَهنأ بنهاية أخلاقيّة سعيدة وعادلة، وبقصة الحب الجميلة مع تُقى التي تم بناءها بأناة ورهافة خلال رحلة مؤلمة استطاع فيها كلاهُما التطهر من خطايا الماضي، وبدء صفحة جديدة على ميّة بيضا.

أصالة واختلاف الحدوتة والشخصيات لم يكن مُمكِناً أن يتحقق لهما هذا القدر من الألق لولا الحرفيّة الشديدة في السَرد، سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج. فالمايسترو تامر مُحسن ومعه فريق السيناريو “حكائين” من الدرجة الأولى، يظهر بوضوح شغفهم بلعبة الحَكىّ التي يلعبونها معنا نَحنُ المُشاهدين في اختياراتهم ونقلاتهم الدراميّة للحفاظ على التدفق وشَد الإيقاع لدرجة حَبس الأنفاس في الكثير من المناطق، وكشف أوراق الشخصيات في توقيتات دقيقة تَخدم السرد وتدفعه للأمام، بالإضافة للعناية بتفاصيل الميزانسين لترسيخ خصوصيّة هذا العالم من دون الإخلال بواقعيته، والمذاق المُختلف لموسيقى أمين ابو حافة البديعة.
أثمر هذا المجهود الهائل عن نجاح فائق للعبة الحَكىّ، حتى أنَّ أشد المُتفرجين خبرة وتمرساً وقفوا عاجزين عن استنباط المآل الّذي ستؤول إليه الأحداث اللاهثة مع خروجها عن منطقة الأمان الّذي اعتدناه في الأعمال الدراميّة حتى الهوليووديّة منها (بالذات الهوليووديّة منها) في السنوات الأخيرة، ليكون مشهد الفينالة الّذي لا يُنسى
(بالمناسبة، يوجد راكور بهذا المشهد في التناقض بين أصابع نور التي تداعب سطح النيل باسترخاء في اللقطة القريبة، وذراعها الّذي لا يطول هذا السطح في اللقطة المتوسطة)
هو خير تتويج للّعبة الحلوة ومكافأة مُستحقة بما يحمله من سلام نفسي للأبطال ولنا نحن المُشاهدين بعد أن اتسحلنا معهم أحلى وأمتع سحلة على مدار الشهر الكريم.

 

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى