مقالات

أدب الرعب والخيال العلمي.. ملامح تجربة الكاتب العربي

كتب: وائل رداد

لا يحبذ القارئ أن يظهر بمظهر الغباء.. ولكن عوضًا أن يعالج ذلك بمطالعة أعمال ذكية يقوم بمطالعة أعمال شديدة الرداءة لشيوعها بين الناس، كلاعب يفضل التمركز في الدفاع عوضًا عن الهجوم بدافع المحافظة على نفسه من المجازفات التي يراها تهورًا، ولكي لا يبدو أحمقًا في نظر الجماهير، فلا يتحدى ذكاءه المزعوم باختبارات عقلية شائقة في خضم ما يطالعه، وإنما يجري ببصره فوق السطور بلهفة باحثًا عن الاقتباسات المبتذلة والمفهومة فحسب كي يكررها لاحقا كأمثال وكدليل قراءة وسط أقرانه، ومن ثم يضع رأيًّا تافهًا على غرار: “جذابة” و”أمتعتني” و”لذيذة” و”رغبتني في المطالعة”، فلا يعود هنالك محل لنقاش عقلاني ذكي، بل لمجاملات ومهاترات لا نفع منها على الإطلاق.. فلا شيء عقلاني يستقر في العقل!

فلو عرف كل مؤلف عربي امتهن أدب الرعب أو الخيال العلمي مدى أهمية وصعوبة اختياره فقط.. لو عرف كم هو خيار شجاع، ولكن ليس بالضرورة أن يكون صائبًا إذا ما كانت الأفكار التي يود طرحها مسروقة من حبكات الأفلام الأجنبية مع تعديلات بسيطة، وبأن مهمته أصعب حتى من الكتاب الأجانب ذاتهم، الذين جابوا كل شيء وكتبوا عن كل شيء تقريبًا وبحرية تامة، دون خشية من مجتمع أو دين، وطرحوا أجمح النظريات في كتاباتهم، فلم يتبق أمامنا سوى التأثر بهم مع كثير من الإدانات بالطبع..

البحث عن حبكة تناسب رواية رعب أو خيال علمي عربية ليست مهمة سهلة نهائيًا، فالكاتب العربي متهم دومًا بالاقتباس المباشر أو السرقة حتى ولو بتأثر طفيف، وبخاصةٍ من الأفلام كونه لا يطالع الأعمال الروائية لتلك الصنوف الأدبية باللغة الإنجليزية.. يصعب لومه على ذلك، فقد لا يجيد اللغة الإنجليزية، وحتى طلبة اللغة الإنجليزية أنفسهم سواء في المدارس أو الجامعات العربية أو الأجنبية حين يُطلب منهم كتابة مقالة عن رواية ما أو قصة أو مسرحية يبحثون عن الفيلم الخاص بها!

ولكن، ماذا لو كانت مهمة الكاتب العربي في تلك المجالات -رغم عسرها- شائقة وأقرب لتحدٍ عليه بدحره؟ ماذا لو كان عليه كمحام إيجاد الثغرات المناسبة والأقرب لتحايل قانوني؟ على الدين والأخلاق ونظرة المجتمع الشرقي.. الخ؟

بعث الموتى حرام، ابحث عن حل آخر، الأشباح بمفهوم الديانات الأخرى كذلك، فابحث عن ثغرةً ما، تلك الثغرة مدعاة للتفكير والابتكار والتجديد، خصوصًا وأنهم كتبوا عن تلك الظواهر الشيء الكثير، فلِمَ لا تكون المعالجة العربية أكثر ابتكارًا -خصوصًا وأنها وجهة نظر ميتافيزيقية شرقية- بدل التشبه بما كتب سابقًا؟

ذات الشيء بالنسبة للخيال العلمي، فبعد عشرات الحبكات العبقرية مثلا عن الانتقال عبر الزمن، طالعتُ مؤخرًا رواية عربية مبتذلة تم اقتباسها مباشرةً من رواية هربرت جورج ويلز “آلة الزمن”، أي من المصدر المباشر!

حتى التأثر المزعوم، إما أن يكون من رواية “دراكيولا” و”فرانكنشتاين” وإما أن يكون من “آلة الزمن” أو “حرب العوالم”.. ألهذه الدرجة ثمة محدودية أفق؟ حتى في الخيال؟

وبالنسبة للرعب، فإن كاتب الرعب العربي يفاخر أنه طالع رواية “دراكيولا” لبرام ستوكر، وبأفضل الأوضاع، رواية “فرانكنشتاين” لماري شيللي.. لربما قصة أو اثنتين لإدغار آلان بو، والبقية عبارة عن مجموعة من أفلام ستيفن كينغ ومسلسلاته القصيرة، دون الرجوع للروايات طبعًا!

كاتب الرعب العربي الحالي يجب أن يكف عن إيجاد الأفكار بين الأفلام والمسلسلات، وأن يبحث عن الثغرة القانونية المبتكرة لرواية أو لقصة، يجب أن يكف عن إيجاد مصطلح متفرد ما وشبه منزو على ويكيبيديا، أو من موسوعة “هل تعلم؟” الملونة، يراه قمة العبقرية لبناء فكرة كاملة حوله.. ولدرجة استخدام ذلك المصطلح عنوانًا لعمله كذلك!

مؤخرًا، انتشر جدال عجيب عن أدب الشباب بشكل عام والرعب بشكل خاص..

الهجوم جاء من الكتاب الكبار، الذين تأففوا ممن يطالعون نتاجًا “فاشلاً” بدل التوجه للأدب الحقيقي الذي يدونونه هم بحنكة، بإمكان المرء تفهم ذلك إذا ما كان حليمًا متسع الصدر واسع الاطلاع، فهم يستشهدون بأعمال شبابية سيئة من ناحية الفكر واللغة، مخجلة بحق..

أدب الشباب محفز على المطالعة، مفعم بالنشاط وأحيانًا ببعض التجديد، بعض الكتاب تمكنوا من ضبط إيقاعهم النحوي والبعض الآخر استهتر به واستعاض عنه بالعامية، بعضهم تمكن من استنباط أفكار لامعة وجديدة، والبعض الآخر لايزال ينبش في حبكات الأفلام الأجنبية، والأسوأ الشهيرة منها!

ناهيك عن كتب “تويتر” الرديئة، وهذه وحدها كارثة مسيئة للشباب، فهي تحوي حكمة اليوم التي كنا نسمعها في الإذاعة المدرسية، وكل حكمة معدودة الكلمات تنفرد بصفحة كاملة في كتاب أو كتيب، ويحقق دائمًا أعلى المبيعات، وكل حكمة أشد ابتذالاً من سابقتها..

من مصلحة الأدباء الكبار أن نظل نطالع لهم -ولهم فحسب-، سَمه احتكارًا أدبيا تحت مسمى المعرفة والخبرة، سَمه ما شئت..

يجب احترام ما عانوه، في تلك الأيام لم تكن دور النشر وحفلات التوقيع متوافرة كالهواتف النقالة المزودة بكاميرات تستخدم لالتقاط السيلفي حاليًا، بعضهم كان يعتكف شهورًا في منزله أو حتى في المدافن كخيري شلبي كي يكتب، والبعض الآخر دَوَّن أهم أعماله في المعتقلات كالماغوط ومصطفى خليفة، الكتاب الكبار امتهنوا الكتابة، في حين يتعامل الشباب معها كهواية يستخفون بها، ولربما أرادوا الشهرة من خلالها ما دام التمثيل والغناء غير متاحين..

لكنهم -الكبار- يطالبونك أحيانًا بهذا الاحترام بطرق تذكرك بوالدك حين يأمرك بتغيير تخصصك الذي تحبذه، أو الزواج بابنة عمك التي لا تحبذها، هنا، يستحيل الاحترام خنوعًا سيدمر مستقبلك.. وبالطبع لن يتوقف أحدهم للتفكير بطموح كاتب شاب، كونه الآن أضحى كاتبًا مخضرمًا كبر في العمر واكتسب حكمة الحياة والكتب معا، كاتب عصامي إذا ما صح التعبير..

عقدة أخرى متفشية لدينا، متمثلة في أدب الرعب..

هنالك إساءة حقيقية لهذا النوع من الأدب في عالمنا العربي وحتى الغربي، لديهم نقاد كتبوا مقالات تستهزئ بهذا اللون من الأدب، ومثالهم على ذلك هو ستيفن كينغ طبعًا، الذي يكتب بطريقة الاختزال وبكثافة تصل إلى 700 وأحيانًا لألف صفحة، وفي العادة يقوم بإصدار روايتين في السنة..

أما نقادنا، فيهاجمونه على أنه أدب “عفاريتي” يدعو للجهل والتخلف.. كان من الممكن أن يعارضهم المرء لولا اكتشافه مؤخرًا أن أدب الرعب العربي لم يعد يخرج عن نطاقين: رعب معوي مقزز امتلأ بالاحشاء المندلقة، وهو رعب رخيص لا يُقرأ، مثله كمثل من يطالع رواية مغامرات مبتذلة لا هم لبطلها سوى استخدام اللكمات والركلات طيلة الوقت..

ورعب العفاريت والمس والأسياد.. الخ من هذا الهراء الذي تحتمله بدايةً، ثم تمقته حين يستحل لونًا شعبيًا رخيصًا يحاول كتاب الرعب الحاليين التميز به عبر استخدام مزيد من العبارات التي يعتقدونها مثيرة أو مرعبة على لسان “شمهورش” مثل: “حنفروش وكنفروش”، فيحسبهم القراء على اطلاع بكتب السحر والشعوذة..

هنالك حيلة أخرى يلجأ إليها كتاب رعب السحر والعفاريت، وهي حيلة تبدو ذكية في ظاهرها، لكنها -في الباطن- جد سخيفة، حين يصدر الكاتب كتابًا هزليًا، وكأن لسان حاله ينطق: عذرًا لإرعابكم في أعمالي السابقة، أنا شخص لطيف ومسالم.. وكتابي الفكاهي هذا يثبت ذلك!

تلك الطرائق التي يستخدمها كتاب الرعب الشباب تدلك على أن ثقافتهم ليست نابعة حتمًا من مطالعة “ديستويفسكي” أو “فيكتور هوغو”!

وحين يجاهر الكُتاب الكبار برأي نير بخصوص هذا الموضوع يقترحون لون الخيال العلمي كبديل للعرب كتابة ومطالعة، حيث إنه -على حد قولهم- أدب يدعو لبناء المستقبل وتحفيز العقول الشابة على التفكير.. الخ من الحديث “الاكليشيهي” الذي يحفظونه كمدرس حفظ المنهاج قبيل بدء العام الدراسي، كبار الكتاب يفضلون البقاء في نطاق ماركيز ويوسا ومحفوظ عوضًا عن تجربة نهاد شريف وآرثر كلارك وفرانك هربرت.. وبالطبع يحتقرون فكرة تجربة أدب الرعب ولو كان من خانة إدغار آلان بو وماري شيلي.. أتساءل كم منهم جرب مطالعة رواية “دراكيولا” لبرام ستوكر!

في عالمنا الواهن تناقضات لا تصدق كميتها، وهو أمر طبيعي، فكل شخص سينطق بما ينصب في مصلحته الخاصة.. في مرة يصرخ الكتاب بأن القارئ هو الحكم في حال منع ومصادرة كتاب لأحدهم في معرض، ولا يجوز حظر الكتب لأن القارئ ليس جاهلاً ويعرف ما يختاره، ثم يعاودون الصراخ مجددًا حين تزداد شعبية لون أدبي كالرعب، وبأن القارئ شخص جاهل لا يفقه ما يقرأ ولا يحسن الاختيار.. أدب الرعب ليس أدب العفاريت والعمل المدسوس أسفل الباب..

ليس جان العالم السفلي الذين يتزوجون من البشر، ليس كلمات السحر المبتذلة المدونة بدم الدجاج للضحك على الذقون وابتلاع الجيوب.. ليس ترويج الجهل والخرافة والسخف.. ليس “أشتاتًا أشتوت” و”شمهورش”..

ما قدمه “ستيفن كينغ” و”كلايف باركر” و”إدغار آلان بو” و”ماري شيللي” و”شيريل جاكسون” و”لافكرافت” و”بيتر ستروب” و”ريتشارد ماثيسون” و”دين كونتز” و”جو هيل” و”دان سيمونز” و”آن رايس” لنماذج أكثر من رائعة لأدب الرعب الراقي والعميق..

أما عندنا فرواية الرعب ليست مرعبة إلا لو قام القارئ -المرتعب- بالتخلص منها زاعما أنهًا تحوي كلمات للاتصال بالجان، بحجة أن الأثاث قد تحرك وشقيقه الأصغر قد لوى كاحله ما إن جلبه للبيت.. قارئ يفكر بهذه العقلية يكره البحث عن إيجاد الأجوبة في رواية رعب ناضجة، فيختار الحل الأسهل وهو اتهام الكاتب بالتشتيت وبأن عمله مفكك ومحشو وغير مترابط!

فن كتابة الرعب بحاجة في رأيي لدراية واسعة بالأدب الإنساني..

من المستحيل على من يكتب أن يوثق المشاعر الإنسانية في أدب الرعب إن لم يكن مؤمنًا بقوة الشعور بالرعب، وتبيان مدى قوته مقارنة بالمشاعر الأخرى كالغضب والحزن والفرح..

مشاعر الرعب هي الأقوى والأصدق.. هنالك مثال قمت بابتكاره والاستشهاد به مرات عدة.. فلنتخيل بأن شخصًا رافق فتاة في غابة ليلاً.. توقفا، فبادرها بقوله: “أحبكِ”.. فترد عليه: “أنا كذلك.. أحبك!”

مشهد مبتذل لكنه يستخدم كمثال هنا.. وليست تلك القضية، القضية بأن كل شيء مسموح به في الحب أدبيًا.. قد يكون الشخص خائنًا، وقد تكون الفتاة كاذبة.. لن تتضح الأمور سوى لاحقًا، ولربما لن تتضح الأمور بينهما بتاتًا..

دعنا نكرر المشهد مجددًا.. دعنا نجعلهما يتمشيان في ذات الغابة المظلمة.. وعقب حوار “أحبكِ” و”أنا كذلك أحبك” يهجم الخطر عليهما.. متمثلاً في أي شيء تريده.. مصاص دماء.. مستذئب.. زومبي.. قاتل مخبول يحمل منشارًا آليًا..

هنا، ستتضح حقيقة مشاعرهما لأن الرعب لا يمزح.. الفتاة عادةً تهرب في مثل تلك المواقف، لكن مشاعرها ستتبين لنا لاحقًا بخصوص ذاك الذي زعمت أنها تحبه.. لربما ستتوقف لأجله، ولربما ستذهب لجلب النجدة.. وقد تنتحب عليه إما حبًا أو شفقة!

أما عنه.. فإذا كان يحبها بحق فسيحاول الذود عنها، أما إذا لاذ بالفرار تاركًا إياها فما هو إلا جبان.. وذلك يبين لنا الكثير عن شخصيته!

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى