مقالات

متى تكتب أليف شفق؟

كتبت:شيرين سامي

شيرين سامي

متى تكتب أليف شفق؟

متى تدرس؟ متى تسافر؟ متى تقرأ وتطلع؟
كلها أسئلة تدور في رأسي كل يوم. كيف تُبدِع النساء في مجتمعاتنا الشرقية؟ كيف يجدن الوقت والجهد لفعل كل شيء؟ البحث عن الطريق الصحيح.. تثقيف الذات.. جمع الخبرات. كيف تمارس امرأة شرقية حقها في السير تجاه ما تحبه وعلى كاهلها كل هذه المسئوليات؟
أحاول أن أقرأ في كل دقيقة خالية في اليوم..كتبي على السرير، في المطبخ، غرفة المعيشة والسيارة..أنام كل ليلة وفي يدي كتاب ومع ذلك لا أجد الوقت الكافي للقراءة. أما الكتابة فوقتها مسروق من الزمن، حتى أن معظم كتاباتي على الفيسبوك وأنا في السيارة أو في لحظات منهكة يضغط فيها الكلام على رأسي حتى أكتبه. كل عمل إنتهيت منه هو معجزة لا أدرك كيف تمت، روايتي الأولى لا أذكر متى أو كيف كتبتها، كأنها حلم مر علي لا يؤكد واقعه إلّا الكتاب في يدي، أما الأخيرة كتبت معظمها في السيارة في إحدى الشوارع الهادئة، في ساعة مبكرة قبل بدء العمل.
تدور مناقشات مهمة مع كُتّاب، صحفيين أو قرّاء وأنا أعد الطعام في المطبخ. مازلت أذكر أول حوار مع زملاء نشر على مواقع التواصل، عندما إنسحبت من مناقشتهم خشية أن يحترق الطعام على النار. أرسل نبذة عن روايتي للمشاركة بالجوائز بينما أقلي البطاطس، أكتب مقال أو ريفيو لرواية ما وأنا على مقاعد الانتظار بصالات تمارين الأطفال بالنادي. أو وأنا أنتظر دوري في إحدى المصالح الحكومية، أرد على التعليقات على كتاباتي وأنا في طرقات المولات والسوبرماركت. لو قررت حضور ندوة ما يتوجب علي الذهاب من حي لحي آخر بعيد لإيداع الأطفال، ثم التحرك للندوة التي أصل إليها متأخرة و أكون أول من يغادر كالعادة. كم من مناقشة لأعمالي حضرتها وأنا أخفي دموعي لإحساسي بالتقصير والأنانية.
لا أدري إن كانت هذه عادة المرأة الشرقية، أن تُقدم أكثر من نصف عمرها للبيت ويؤرقها أنها أبقت لنفسها شيء منه، أم أنها عادة المرأة الكاتبة، أن تشعر أكثر من اللازم، تتألم أكثر من اللازم، وتؤنب نفسها لأن لها عالم موازي لا تشاركها فيه أسرتها. لكن ما أعرفه جيدًا أن معادلة امرأة زائد الشرق زائد الكتابة تساوي الجحيم.
كثيرًا تُلّح علي رغبة لدراسة النقد والكتابة الحرة رغبة تقتلني بعجزي عنها. أقع دائمًا في هذا الحرج عندما أرسل لأصدقائي في طلب معرفة ورش كتابة أو دورات تدريبية تخص الكتابة، فيرسلوا لي روابط أسارع بحماس في اعلان مشاركتي بها، ثم أنسحب قبل البداية، ذلك عندما أكتشف أنها ستوافق إمتحانات الشهر لإبني، أو ستتعارض مع مواعيد دروس البيانو لإبنتي. فأعود لأخطف أوقات القراءة والكتابة رغم كل شيء، وأعود لأشتاق وأتحمس ثم لا أبرح مكاني.
الكتابة في الشرق فِعل رجالي، يخصص لها الرجل كل ما تبقى من وقت بعد العمل، يعتبرها جزء من عمله، إن لم تكن هي بالأساس عمله.يتكاتف عادة أسرته وأهله وأصدقاءه لتشجيعه عليها، وتوفير الزمان والمكان المناسب لها، أو على أقل تقدير تركه لمزاجه في الكتابة، مع التعامل معها أنها في أهمية العمل بل وأكثر قدسية، أمّا الكتابة للمرأة في الشرق هي مجرد هواية، التشجيع فيها من الأقارب نادر يشوبه التردد، ومن الأغراب يُنظر له كنوع من المغازلة، لذلك يجب ألا تتعامل معها بجدية، تضعها في آخر إهتمامتها، تعرف أنها قد تتوقف عنها في أي وقت، وأنها يجب أن تبذل جهدًا أكبر في أعمالها وبيتها إن فكرت أن تكتب. حتى تُشعر الجميع بأنها زوجة وأم قبل كل شيء.
تُداعبني رغبتي للسفر خارج مصر لحضور ورش كتابة والتعرف على ثقافات جديدة ومجتمعات واسعة..لكنني أعرف أنها لن تخرج عن كونها حلم بعيد. وأنا تعودت أن أحيا بالأحلام. يحاصرني الإرهاق، ويزورني اليأس في زيارات حثيثة، ورغم ذلك أؤكد لنفسي أني أستطيع أن أفعل كل شيء ولا أستجب لندائي الداخلي الذي يخبرني بإلحاح إني لست!supergirl
لكنني مازلت أؤمن بأن الكثير من الروايات والقصص تنتظرني، لا تأبه بالوقت والعمر والتعب. مازلت أعافر، أعاند أقداري، وأتساءل وأنا أزيح التعب عن جسدي في نهاية كل يوم..متى تكتب أليف شفق؟

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى