مقالات

عمر سامح يكتب: مسدس جوبلز

كتب: عمر سامح

عمر سامح
عمر سامح

حين قال جوزيف جوبلز جُملتَه الشهيرة، أنه حين يسمع كلمة “ثقافة” يتحسس مسدّسَه، لم يكُن معبّراً بصِدق عن دخيلة نَفسِه فقط، أو عن موقفِه كوزيرٍ للدعاية للنازية وحسْب، إنما عن جذرٍ عميقٍ من جذور شجرة الأنظمة الاستبدادية قاطبة.

فالعداء بين تلك الأنظمة و بين كل ما يمُتّ للثقافة أو التنوير بصِلَة، عداءٌ قديمٌ ومُستحكَم -لا يستثنى أيّ مظهرٍ محتملٍ لهما: من الأفكار المجرّدة، وصولاً إلى أصحاب تلك الأفكار، ومرورًا بالوسيط الحيَوِىّ بين هؤلاء وبين الناس: الكتــــــاب..

والتاريخ الإنسانى القديم والحديث، في مختلف البلاد والثقافات، حافل بأمثلة لا حصر لها من نماذج مطاردة أصحاب الرأى ومصادرة إنتاجهم الأدبي أو المعرفي، بُغيَة مَحوِ تأثيرِه التخريبىّ الضار، الهادمِ للثوابت الراسخة في قاموس الاستبداد: من حرق كتُب ابن رشد في أندلس القرن الثاني عشَر، لمحاكم التفتيش في القرون الوسطى، وصولاً لمحارق النازية في ثلاثينيات القرن العشرين، واستمرارًا للحظة الراهنة من عمر البشرية، في المجتمعات التي لم تتخلص من عار الاستبداد بعد.

وهذا يُعيدُنا إلى جوبلز..

في أبريل 1933، بعد وصول هتلر إلى السُلطة بفترة قصيرة، انطلقَت حملات القمع بلا هوادة، بدعاوَى أوهام تفوّق العِرق الآرى، وضرورة “تطهير” المجتمع من كل ما هو “غير ألماني” بشرًا كان أو حجرًا أو كتابًا وبكل وسائل “التطهير” ومنها النار.

مكاتب الدعاية في اتحادات الطلَبة في المدن المختلفة تنادَت وحشَدت لتجمعات عامة، يحضرها ضبّاط كبار، وأساتذة جامعة، وأكاديميون، تسود فيها أجواء احتفالية هستيرية، حيث تعلو الأهازيج القومية ويردّد قسم التطهير، وتكوّم أعداد هائلة من “الكتُب الضارة” في ساحة أكبر الميادين العامة.. ثم تُضرَم فيها النيران.

في برلين، شارك جوبلز بنَفسِه في تجمّع ضخم ضم أكثر من أربعين ألف شخص، وخطب خطابًا ناريًا في الحشود المهتاجة معلنًا أنه “لا مكان للانحلال والفساد الأخلاقي بعد اليوم”، “أنتم يا جيل اليوم تقومون بواجبكم الأهم تجاه الأمة، أن تخلّصوها من روح الماضي الشرير” لتلتهم النار مؤلفات قائمة لا حصر لها من الأسماء، لا تبدأ عند فرويد ولا تتوقف عند كارل ماركس ولا تنتهي بستيفان تسفايج.

لم تَرِد على ذهن جوبلز بالطبع في لحظة النشوة تلك، المشاهد الختامية القاتمة لحقبة الرُعب التي ساهم في خَلقِها، بعد ذلك التاريخ بإثنى عشَر عامًا، حين تولّى السلطة لمدّة يوم واحد بعد انتحار هتلر، ثم انتحر هو وزوجته في اليوم التالي بعد أن اطمأن على حقن أبنائه الستّة بالمورفين ليموتوا دون ألم، بسُم السيانيد.

كما أنه بالتأكيد لم يكُن على عِلم بأن تأثير الكتُب يفوق أعتى النيران قوّة، وأن بعض الأفكار لا تصمد فقط أمام آلة القمع، أو تبقَى بعدها، بل إنها تراها وتدركُها وتكشف جوهرَها المرعب قبل زمَنِها الفعليّ بكثير.

لذا، فإنه في الأغلب لم يقرأ ما كتبَه الشاعر الألماني هاينريش هاينة سنة 1820، قبل النازية بأكثر من مائة عام :
“تلك كانت البداية فقط
حين تُحرَق الكتُب
سيُحرَق البشَرُ أنفسهم
في نهاية الأمر”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى