التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

أدهم العبودي يكتب: “وليد مكي”.. وكيل النيابة الذي فشل فأصبح كاتبًا

كتب: أدهم العبودي

أدهم العبودي

عن دار “عصير الكُتب”، صدرت رواية “دروب أصفون” للكاتب “وليد مكّي”، ولمن لا يعرفون “أصفون”؛ أو سيعرفونها عبر القراءة، هي بلدة صغيرة في مركز “إسنا” التّابع لمحافظة “الأقصر”، بلدة الكاتب “وليد مكّي” التي يعيش بها حتّى الآن، وإن كانت تابعة لمحافظة “قنا” في زمن كتابة الرواية، بمعنى أدقّ؛ زمن أحداث الرّواية، و”أصفون” في الوقت الآني تواجه مشاكل عدّة، إذ تهدّدها المشكلة الأكبر؛ وهي مشكلة المياه الجوفية، التي تمثّل خطرًا على حياة الأهالي وعلى الآثار الموجودة في البلدة، فطبيعة حال المحافظة ككلّ، تتناثر الآثار الفرعونية بامتداد شريط “النّيل” تقريبًا بصعيد “مصر” كلّه.

“وليد مكّي” يعمل اليوم وكيلًا للنائب العام بمحافظة “قنا”، التحق بكليّة “العلوم” لكنّه سرعان ما تركها ليلتحق بكليّة “الحقوق”، بل لم يمتحن بها ترمه الأول في الأساس، حيث فشل في أن يستكمل طريقه بها، ربّما بسبب الزّحام والضغط الموجودين في “علوم”، وقد تعلّق بفعل الكتابة منذ صِغره، إذ يُمكن أن نزعم أنّ الكتابة تجذّرت داخل طفولته، لتصنع منه كاتبًا يستحق الإشادة، حيث تعوّد أبوه –وهو من خرّيجي التعليم المتوسّط- أن يصطحبه إلى بندر “إسنا”، كلّ يوم جمعة، وكانت ثمّة مكتبة صغيرة بشارع البحر تبيع الكتب والجرائد، هناك اشتعل شغفه، وتأجّج بالثقافة، واتّجه يقرأ بغزارة، ثمّ تبلوّرت القراءة لفعل كتابة أثناء فترة المراهقة، وككلّ البدايات، راح يخطّ ما يجيش في خياله داخل قصاقيص صغيرة، وأوراق متناثرة، يكتب فيها مواقف عابرة تصادفه، يكتب عن علاقته بصديق، بنت مالت لها نفسه، يكتب عن علاقاته بأمّه وأبيه وأقاربه ومُحيط الأهل في بلدته الصّغيرة النّائية، شجّعه مدرّس اللّغة الإنجليزية في الثّانوية العامّة على الكتابة، حيث كان يكتب القصص باللّغة الإنجليزية ويعرضها على أستاذه، فيشيد بها.

ترك كليّة “العلوم” والتحق بكليّة “الحقوق”، ومع تزامن ثورة 25 يناير تخرّج ليعمل بعدها مباشرةً بالسلك النيابي، كلّنا وجدنا أنفسنا في مجتمع جديد، يصنع أحداثه ويصنع أقداره، العلاقات تعقّدت أكثر، ظهر غريبو الأطوار على السّطح، وانكشفت الأسرار، أسرار البشر والمجتمع وأسرار البيوت، انكشفت النزوات وانكشف العُصاة والخطأة والمنتفعون، لذا؛ انطلق “وليد مكّي” يكتب أولى رواياته، “دروب أصفون”، لتعبّر عن المهمّشين والمنسيين، تحديدًا في صعيد “مصر”، أولئك الذين لا يشعر بهم أحد ولا يُمكن أن تسلّط عليهم الأضواء إلّا إذا ارتكب أحدهم جريمة، كلّنا عاصرنا هذه الأحداث، وما أكثرها..!

في روايته الأولى؛ “دروب أصفوت”، المكتوبة بعد تأمّل طويل، رصد “وليد مكّي” تقاطعات مصائر الشّخوص في فترات زمنية بعينها، من “قوص” في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري بحكاية أولى، ثمّ حكاية ثانية في أواخر القرن الرابع الهجري، يرسم ملامح الأمكنة بدقّة بليغة، ويمزج التراث الشفاهي لهذه الفترة في مسار السرد داخل الرواية، وينتقل بنا ما بين “أصفون” و”القاهرة”، انتقالًا سلسلًا، ليلقي بؤرة ضوء على تبدّلات الشخصية الروائية عبر فترة “المماليك”، وتمازج المصائر وتماهيها، خلال سرد مشوّق، ووصف كأنّه فرشاة، وإن تراخى الإيقاع قليلًا في بعض مناطق الرواية، إنّما نعزو الأمر لكونها تجربة روائية أولى، شديدة الرسوخ، خصوصًا إنّها تجربة تاريخية، مليئة بالمخاطر، إذ غامر الكاتب وحاول أن يستدعي تفاصيل وملامح الأجواء المسيطرة على هذه الفترة، حركة التجارة، بيعًا وشراءً، الملابس، الطعام، وغيرها من التفاصيل التي تحتاج بحثًا طويلًا دقيقًا، وعصرًا للذّهن، وقد جاء بناء شخصيات الرواية معبّرًا عن حالة المجتمع في هذه الفترة شبه المتأزّمة من تاريخ البلاد، ليصنع إسقاطات تبدو للوهلة الأولى غير متراكبة ومتمزّعة داخل مجرى السرد الروائي، إنّما، ومع القراءة المتأنّية، نجد أنّنا أمام إسقاطات رمزية يُمكن تمامًا جمعها في سياقها المُستهدف داخل متن البناء الروائي.

في هذا العمل نجد مزجًا شفيفًا بين التراث والأسطورة، بين الحيّ والمتروك من اللّغة، أو المهجور، استطاع الكاتب أن يسلّط الضوء على فترة من فترات الصّراع في “مصر”، على السّلطة وعلى الزعامة وعلى مواطن الرّزق، بلغة مُحكمة وبناء رصين، هذه الفترة التي اشتعلت فيها المطامع، وأثّرت على تاريخ البلاد من بعد ذلك تأثيرًا عظيمًا.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى