إبداعقصةمشاركات أدبية

العرافة

قصة: أحمد إسماعيل عمر

أحمد إسماعيل
أحمد إسماعيل

“لكي تعرف روحها عليك أن تأتي بها إلى أن أمكنك ذلك أو ترسم خطوط يدها في ورقة لها بياض ناصع”. لماذا لم تجزم في طلبها؟ مثل أن تقول: يجب أن تأتي بها أو يجب أن ترسم خطوط يدها..! ولما لم تذكر أي يد التي تريد خطوطها اليمنى أم اليسرى؟ فمن المؤكد أنها تتطلع على قلة حيلتي لأن ليس هناك شيء بيدي أستطيع فعله..! قالت ذلك قبل أن تتوارى خلف صمتها وانشغالها بتقليب الجمرات التي تحترق حبات البخور فوق وهجها القاني على الرغم من ضيق المكان وحرارة الصيف. كانت تريح ظهرها إلى حائط قديم مطلي بطين مخلوط بالتبن والروث الذي تبدو منه الشقوق والثقوب الغائرة على ضوء لمبة الكيروسين المعلقة قبالتها بحائط كنت أجلس تحته مباشرةً فوق مصطبة عاليه يغطيها سماط مهترئ من الحلف اليابس. لولا الشديد القوي ما كنت أدخل دارها أبدًا، لكن المضطر لا يمتطي الصعب بل الصعاب جميعها ويتسلق الحبال برغم اهتراءها، ولولا ذلك أيضًا ما كنت أمكث أتملى الآن في  سحنتها الغبراء -وأنا مجبر على ذلك- الماثلة بوضوح قبالتي والتي طالما منذ صغرى ألوذ بالفرار إذ أبصرتها، وذلك من كثرة ما كان يحكون عن أفعالها الجهنمية سواء الكبار أو الصغار من أهل القرية، كالمرة التي دست فيها لعوض البقال عمل كعقاب له بعد أن صفعها على وجهها إثر اختلافه معها على حساب ما كانت تبتاعه منه على النوته، مما جعله يمشي عاريًا لعدة أيام حتى توسط له شيوخ البلدة ووجهائها، وكذلك المرة التي أضرمت بشعوذتها النار في المبيت الخاص بطبيب الوحدة الصحية عندما وجدته ينافسها في خيتان البنات والولادة، والذي ما كان منه إلا أن ترك خلفه كل شيء وفر هاربًا.. وخلافًا لذلك؛ كان هناك الكثير والكثير من الحكايات التي ارتبطت بقدرتها على فعل الأعاجيب والرزايا في خلق الله حتى ذاع صيتها في كل النواحي.. ولكي لا تجعلني أكتشف ملاحظاتها لتطلعي خطوط وجهها المعروق بينما الامتعاض معقود بين شفتي، علقت عينيها على كفيها اليابسين ذاتا العروق النافرة وهي تقربهم إلى المجمرة لمزيد من الوهج وانبثاق الدخان العطر.. إلا أنني فطنت لذلك، ثم بسرعة جلت بعيني في كل شبر حولي  لأخفي خجلي و ارتباكي. ولتدارك الموقف حاولت كذلك أن أشرع في الكلام إلا وألفيت رأسي أصبحت خاوية كقربة مقطوعة أو ككوز مخروم. لم يكن في مقدوري فعل شيء سوى الابتسام في خجل كعذراء. وأطرقت بعدها متسائلاً: ألهذه الدرجة نسيت..؟ أم كان ذلك بسبب الخجل الذي شملني لدى رؤيتها لي وأنا أتطلع في وجهها الخرب؟ أم الخوف الذي لازمني نحوها منذ زمن بعيد أثناء ما كنت على أعتاب المراهقة..؟ المصيبة أنني نسيت.!! هل يعقل ذلك؟ بعد أن عانيت من هجرها طويلا دون أن تجود بشيء سوى لفتاتها التي كانت تأسرني كلما مررت على بابها. بعد برهة استشعرت ثقل صمتي الذي يمكن ارجاعه لما كان يهجس بداخلي عندئذ وهو أن تتطلع على خوفي وقلقي، أو تكون قد أطلعت على اشمئزاري منها الذي يضطرم بنفسي فأذتني بالنسيان. وأيضًا من خوفي أن يعلم والدي أنني دخلت بيتها أو أحدًا من أقاربي. ثم رأيت أنه كلما طال مكوثي عندها تزداد العاقبة سوءًا، حيث ستكون الحرارة قد انزاحت مما يجعل الناس تفضل الخروج لقضاء شؤونها وللنزهه على جانبي الترعة عند الأصيل. شبكت أصابعها الطويلة الرفيعة ببعضها ثم صوبت نحوى عينين حادتين برغم اختلاج جفناها الذابلين، بينما كانت ابتسامة ماكرة معلقة بشفتيها تخبرني بمعرفتها لكل شيء قبل أن أتفوه به. لم أُفاجئ بما تعنيه تلك الابتسامة فهي من طبيعة عملها الكشف عن المستور واظهار المدفون. إلا أنه كان هناك صوت يهمس بداخلي بأنها لا تعرف كما تعودت أن تعرف لا هي ولا غيرها. ألهذا الحد قد نسيت! كيف كنت حريصًا بحيث لما كنت أراها أهمس لها وأشير إليها بحرص وحيطة زائدان عن الحد، فاعتبرت فيه نفسي أجبن الخلق…؟ حتى صرعتني الدهشة حينما طلبت مني أن أتتي بها أو أرسم خطوط يدها في ورقة بيضاء بل ناصعة البياض. فقد ألجمت وصعقت وتضخم خوفي منها كما ندمت من مجيئي إليها. شكرتها بانفراجة شفتي قليلا كابتسامة، ثم بكلمة مقتضبة تعني الرفض بعد ما ودت أن تصنع لي كوب من الشاي. لم أكن أنوي المجيء أليها أبدًا حيث قبل أن أطرق بابها ظللت أُؤخر نفسي حتى أجد حلاً بعيدًا عن بيتها فلم أظفر بشيء عند الأطباء، وأما عقلي فلم يشير عليّ بفعل شيء غير السهر والابتعاد عن النوم؛ لكن، لم أستطع ذلك لأمرين هما: أنه من المستحيل أن يبقى المرء دون نوم، والآخر: هو أنني كلما فكرت فيما يحدث أجد لذة شديدة ورغبة عارمة في التوجه إلى الفراش. غير أنه صار الخوف من استفحال نحافتي هو ما يؤرقني فيما دفعني لمقت السهر والنوم، كما لو وددت أن أكون مُحلقًا بلا نهاية مرجوة، بحيث لا يطئ جسدي شيء يرتاح عليه. فكلما كانت تغفل عيني أجدها عارية تدعوني إليها، بسياط من البدن الأبيض الأملس الذي يتشرب بياضه حمرة الشبق؛ فإذا دنوت منها كان سائلي يتدفق بغزارة لحد الوجع قبل أن ألمسها. وكلما غفوت مرة كمثل مئة مرة، فقد كان يتكرر الأمر بنفس التفاصيل دون تبدل في رؤياها ولا في كمية ما يتدفق. ودائمًا عقب ذلك أفزع مبهوتًا ومتعرقًا ومتعبًا. ومنذ زياراتها المتواصلة لي أثناء النوم لم تبرح صورتها مخيلتي أبدًا، في حين لم يكن في الواقع الملموس أي صلة تربطني بها حتى ولو بكلمة. بل يمكن أن أجرؤ على الجزم بأن رؤيتي لها كانت لمرتين فقط ولم يتركا أي اهتمام أو انشغال في نفسي، وذلك كان عند مجيئها في شتاء العام الماضي حينما كنت مُجهدًا بعد أن أمضيت أكثر ساعات اليوم في القطار عائدًا الى القرية. لم يكن قد مضى عليّ كثير على دخولي البيت فاحاطني والدي ووالدتي واختي بالشوق والود بعد غياب دام لسبعة أشهر، ثم دلفت إلى حجرتي فتدثرت بغطاء ثقيل بعد أن بدلت ملابسي إلى أن هاجمني النوم بسرعة حالما مددت جسدي على الفراش. بدايةً لم أكن أخشى شيء لعدم علمي بأن الأمر لن يترك أثرًا على بنيتي و قواي التي كانت هشة منذ مولدي. حتى جعلت كلما جلست لصاحب أو زميل كان يؤكد أن كلما كثر مجيء ذلك الحلم إزدادت نحافتي، لحد المرض ثم الموت المحقق من جراء هذا. عندما أكون معهم أو مع أحدهم ويذهب الكلام إلى تلك الجهة كان لايأتي إلا فيما ندر ذكرى ما أراه في نومي بل وفي كل غفوة حتى وإن كان بالأماكن والمواصلات العامة. وجعل الأمر يجري مجراه دون أن أحفل به، حتى جعلت كلما أنظر إلى المرآة أصعق من تغير سحنتي وشحوبها حتى كاد ذلك أن يبقى ملحوظًا في أعين الناس بل أصبح كذلك بالفعل، ثم وقعت فريسة الهمس والإيحاء اللذان يصيباني بالخجل وتعكر صوفي من كلمات الناس والمقربين، وكلما ثقلت وطأة ذلك عليّ كنت أحس بالحصار والاختناق والوحدة التي كانت تنمو جذورها بداخلي على دموعي الحارقة؛ ثم انتقل الحال إلى الهاجس من الموت بسبب ذلك، حيث كنت عندما أضع رأسي فوق الوسادة أكون قد قدمت روحي قربانًا للموت. فقد أرجعت أن هذه المرأة ما هي إلا عزرائيل يقبض روحي بشبق اللذة مما أوقعني ذلك في حيرة وتسأل؛ هل سيكون هذا فيه رحمة لي إذا مت عن طريق اللذة لأنه من المؤكد أن روحي ستفيض جزء منها مع سائلي المدنس المراق بين فخذي…؟ وكان فيما بعد ما اعتبرته أخر ما أخاف وقوعه في يومًا ما..!! هل سأكون مريضًا بوهم الاستحلام في منامي إلى الأبد حتى الموت، وحتى الموت لا يستطيع محو تلك الذكرى من أذهان الناس الذين سيظلون يتفكرون على الدوام، حيث سيتذكرونني عندما يرون من يشبهون لي في النحافة والشحوب.. وستظل جدران بيتنا القائم على شط الترعة منقوش عليها ذكرى تلك المأساة، وهكذا ستتمخض أسطورة العار إلى أن تصير مثلاً يضرب لزجر الناس عن التعلق بأهوائهم الخائبة.. غاص قلبي خوفًا ملتصقًا بظهري وتمنيت أن يكون عقب صمتها الممتد ونظراتها المتفحصة كلام فيه الراحة والعلاج من دون أن تطلب مني أن أرسم خطوط يدها أو أن أجيء بها. وكيف أجيء إليها بأمرأة ليس بيني وبينها شيء في الواقع بل أثناء النوم.؟ لذلك هي لا تعرف الغيب وربما لا تعرف شخصي بالمرة. عندها غمرتني سعادة كبيرة وعزمت على المغادرة.

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى