أقلام وآراءقرأتُ لكمقالات

منتصر أمين يكتب: “وشم” أسامة علام

منتصر أمين

بين حنين جارف لأرض الجذور وسعي جاد للتحليق في سماء الأرض الجديدة.. يصحبنا الكاتب/ أسامة علام في رحلة شيقة، أراها مختلفة عن الكثير مما هو مطروح هذه الأيام..

تدور أحداث الرواية حول الطبيب النفسي “أشرف المدني”، طبيب من أصول مصرية مهاجر إلى كندا سعيًا وراء تحقيق الذات والنجاح.. حقق ذلك بالفعل، ولكنه يفاجأ بمريض غريب الأطوار “جون سبيستيان” أو “أندريه الدموي”.. يفجر هذا المريض بحالته العجيبة بركانًا من التساؤلات وعاصفة من الصراعات داخل “أشرف المدني”..

تدفعه محاولات إيجاد أجوبة مقنعة لها لخوض غمار تجربة مثيرة تتداخل فيها الأساطير والأزمنة.. فالمريض يخبره أنه كان يعرفه في أزمنة أخرى ولهما معًا تجارب حياتية سابقة.. ويرسل “جون سبيستيان” بالفتاة السمراء الفاتنة صاحبة الوشم الأبيض “موود بيير” إلى الطبيب لتقنعه بصحة أقواله.. يقع الطبيب في غرام الفتاة ويسعى لانقاذها من لعنة الوشم الأبيض، وتتوالى أحداث الرواية في حبكة محكمة..

في البداية استغرقني التفكير حول فكرة الرواية.. هل هي رواية حول الخلافات بين الشرق والغرب؟!.. أم أننا أمام نص يناقش تفوق الجنس الأبيض وفكرة السادة والعبيد؟!.. حتى تنبهت إلى شخوص العمل..

الشخصية الرئيسية “أشرف المدني”، كندي من أصول مصرية.. “موود بيير” كندية من أم أوغندية، وأب كندي أبيض (حتى هذا الأب يعاني من خلل يدفعه لتحويل جنسه من ذكر لأنثى).. “جون سبيستيان”كندي من أصول فرنسية.. “تيكانا” من السكان الاصليين لأمريكا الشمالية..

إذًا ففكرة النص تدور حول الهوية، هوية الإنسان..

والهوية كفكرة قائمة في الأساس على الصراع بين جذور أرض الأصل وبين سماء المجتمع الجديد..

وعلى الرغم من كون الفكرة قد تبدو للوهلة الأولى ثقيلة، ومن الصعب معالجتها.. إلا أن الكاتب لجأ لحيلة بارعة؛ كان لها أثر كبير في الحفاظ على عنصر التشويق طوال صفحات الرواية.. فاستخدامه لحيلة (تدوير الأرواح) كوسيلة يتنقل بها بين الأزمنة، من خلال “جون سبيستيان” الفرنسي القادم من القرن الثامن عشر وصولًا به للزمن الراهن، جعلت النص مشوقًا محكم البناء..

الكاتب كان مهمومًا طوال الوقت بتقديم وجبة أدبية دسمة، تشتمل على المتعة الفنية والعمق الفكري والتساؤلات الفلسفية وأيضًا كم ضخم من المعلومات.. وعلى الرغم من ذلك، وكذا ذلك الحرص الواضح على التدقيق في هذه المعلومات ومصادرها إلا أن ذلك لم يخل بانسيابية النص ولم يؤثر بالسلب على عنصر التشويق المطلوب بكل تأكيد لجذب انتباه القارئ..

لا أهتم كثيرًا بتصنيف العمل هل هو واقعية أم فانتازيا أم غيرهما.. ما يهمني حقًا انني استمتعت للغاية بتلك الرحلة الشيقة دون ابتذال، العميقة دون تعالي..

أسامة علام كاتب لم أقرأ له من قبل، لكني أصبحت مهتمًا الآن بقراءة كل أعماله.. كاتب مهموم بقضايا الغربة والوطن، له وجهة نظر أظن أن تجربته وقراءاته كان لهما أثر كبير في تشكيلها..

أسامة علام كاتب بارع، وموهبته ظاهرة بجلاء في هذا النص.. لديه قدرة متميزة على الوصف، يجعلك تعيش في أجواء روايته كأنك تراها عالمًا متكامل الأركان.. يمسك بشخوصه جيدًا لكن دون ديكتاتورية مخلة، فلكل شخصية صوتها الخاص الذي تتحدث به.. ماهر للغاية في صنع الحبكة فيجعلك تلهث من خلفه حتى تنهي الرواية.. (أنهيت العمل في جلسة واحدة)..

رواية جميلة ومختلفة، بالرغم من أن أحداثها انتهت بنهاية آخر صفحاتها إلا أن التساؤلات التي أثارتها لم تنته..

هل تقبل المجتمعات الجديدة المهاجر المختلف عنها ببساطة؟..

هل يجب أن تشمه بوشم ينتمي لثقافتها لكي تقبله؟..

هل يكون خلاص هذا المهاجر بالعودة لجذوره وأصوله؟!..

#منتصر_أمين

اظهر المزيد

كُتب وكُتَّاب

منصة إلكترونية ثقافية متخصصة، ترصد الحركة الثقافية بجوانبها كافة، وتقتفي حركة النشر، وتحتفي بالكاتب والكتاب، وتفتح بابًا لأقلامًا تؤمن بالكلمة القوية القادرة وحدها على إحداث التغيير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى